فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 241458 من 466147

ثم ما لَبِثوا بعد أن مكَّن الله لهم في الأرضِ، وورَّثهم مُلْكَ مَن كانوا له عبيدًا بالأمسِ - أن بَغَوا وطَغَوا، وكَفَروا باللهِ وآياتِه، وعبدوا الأوثانَ، وانغَمَسوا في الملذَّات والشهواتِ البهيمية، وبَلَغ من تحجُّر قلوبِهم أن كانوا يقتلون كلَّ مَن يقوم بينهم بالقسطِ، يأمرُهم بالمعروفِ وينهاهم عن المنكر، ويَدعُوهم إلى الرجوعِ إلى الإيمان بالتوراة والعملِ بها، حتى لقد ذبَحوا يومًا سبعين نبيًّا من أنبيائهم كما تُذبَح الشِّيَاه، واحتالوا بإغراءِ بَغِيٍّ أن تتمنَّى على عشيقِها الفاجرِ قتلَ يَحْيَى - عليه السلام - فذَبَحه، وقدَّم لها رأسَه في طبقٍ.

ثم لما جاءت مريمُ البتولُ بابنِها عيسى - وقد جعَلها اللهُ وابنَها آيةً قاطعةً لكلِّ شكٍّ في طهرِها - وقطع ألسنتهم بحَمْلِها السريع الخارقِ للعادةِ، وبكلامِ عيسى في المهد بالحكمة، فلما بَعَث الله عيسى برسالته يدعوهم إلى الإيمانِ باللهِ ورسلِه واليوم الآخر، ويحاولُ تطهيرَ نفوسِهم الخبيثةِ - نَطَقت ألسنتُهم الفاجرةُ بما أَلِفوا من الخَنَا، ورَمَوا مريمَ بما يُوقِنون أنها بريئةٌ منه، ثم لم يَكْفِهم هذا البَغْي، فحَاوَلوا قتلَ عيسى - صلى الله عليه وسلم - فحماه الله من أيديهم النجسةِ،

وطهَّره من أن تنالَه أيديهم المجرمةُ، ورفعه إليه، فنكل الله بهم شرَّ تنكيلٍ، وضرب عليهم الذلةَ والمسكنةَ، فتفرَّقوا في الأرض، فلم يَردَعهم ذلك، ولم يُعِد إليهم ذرةً من الرشد.

بل امتحن اللهُ أهلَ الأرضِ بهم، فما كانوا في جماعةٍ ولا بلدٍ إلا أَغرَوا بينهم بالشرِّ والفساد، وأَوقَدوا العداوةَ والبغضاءَ والحربَ، وما كانت الحروبُ المُستَعِرَة بين الأَوْس والخَزْرج في المدينةِ إلا بكيدِهم وإغرائهم، حتى بَعَث الله نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - فقَابَلوه بأشدِّ العداوةِ، وهم يَعرِفونه كما يَعرِفون أبناءهم، حتى ليقول حُيَيُّ بن أَخْطَب رأسُ اليهودِ لأخيه - وقد سأله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ فيقول: نعم والله، إنه لهو هو، الذي بشَّر به موسى، وأَخَذ العهدَ به، فيقول له: فما لَه عندك يا حُيَيُّ؟ فيقول: له العداوةُ إلى آخرِ الدهرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت