وتأمَّل، إنه لم يكن في هذه الأمّةِ الكثيرةِ العددِ إلا اثنانِ يستحقَّان وصفَ الرجولةِ الذي وصفهما الله به، والباقي ليس أهلاً لهذا الوصفِ، ومن ثَمَّ يُصِرُّون على بلادتِهم وجُبْنِهم وكُفرِهم بوعدِ الله وقوَّة جبروتِه، وأنه القاهرُ فوقَ عبادِه، وإيمانهم العميق بجبروتِ الطغاةِ
الكافرينَ، فيقولون: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] .
يقولون: إنه ربُّ موسى وحدَه، وليس بربِّهم؛ لأنهم لا يزالون مؤمنينَ بربوبيةِ فرعونَ وآلِه، فيحكم اللهُ عليهم حُكمَه العادلَ، أنْ تِيهُوا في الأرضِ أربعينَ سنةً، لَقِي فيها موسى من بلادتِهم وإخلادِهم إلى الأرضِ ما قصَّ الله من كفرِهم بنعمةِ المنِّ والسَّلوَى، وتظليلِ الغمامِ، وتفجير الماء من الحجَر اثنتي عشرة عينًا، ثم كان أن بدَّلوا أمرَ الله، حين هيَّأ لهم دخولَ القريةِ التي كَتَب لهم، فأَمَرهم أن يَدخُلوا البابَ سُجَّدًا؛ أي: خَاشِعين معتَرِفين بنعمةِ الله عليهم، وأن يقولوا"حِطَّة"؛ أي: طالبين بالذلِّ والخضوعِ له - سبحانه - أن يَحُطَّ عنهم خطاياهم، ويَغفِر لهم ما كان من جرائمِهم السالفةِ، التي كابد موسى - عليه السلام - منها من الأذى والشدة ما شكاه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ المعراجِ حين لقيه في السماء.
فدخلوا الباب يَزحَفُون على أستَاهِهم، ويقولون: حِنْطَة.
فانظر إلى عُقمِ الفهمِ، وركودِ العقل، بل موته؛ فأنزل الله عليهم رجزًا من السماءِ بما كانوا يفسقون.