وجملة {فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء} مستأنفة أي: يضلّ من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته.
قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلاً للأوّل فالرفع على الاستئناف هو الوجه ، فيكون معنى هذه الآية: وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها ، ومع ذلك فإن المضلّ والهادي هو ، الله عزّ وجلّ ، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلاّ إذا جعله الله سبحانه واسطة وسبباً ، وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدّم عليها ، إذ هو إبقاء على الأصل ، والهداية إنشاء ما لم يكن {وَهُوَ العزيز} الذي لا يغالبه مغالب {الحكيم} الذي يجري أفعاله على مقتضى الحكمة.
ثم لما بيّن أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلاّ ذلك ، وخصّ موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدّمة على هذه الأمة المحمدية فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا} أي: متلبساً بها ، والمراد بالآيات: المعجزات التي لموسى ، ومعنى {أَنْ أَخْرِجْ} أي: أخرج ، لأن الإرسال فيه معنى القول ، ويجوز أن يكون التقدير بأن أخرج ، والمراد بقومه بنو إسرائيل بعد ملك فرعون.
{مِنَ الظلمات} من الكفر أو من الجهل الذي قالوا بسببه: {اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ} [الأعراف: 138] .
{إِلَى النور} إلى الإيمان ، أو إلى العلم {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله} أي: بوقائعه.
قال ابن السكيت: العرب تقول الأيام ، في معنى الوقائع ، يقال: فلان عالم بأيام العرب ، أي: بوقائعها.