والجواب عن هذا كله يُعْرَف من سير الإسلام مع اللغة في القرون الأولى،
ومن كلمة قالها الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في كتاب (الأم) فقد بحث في
المسألة ورجَّح وجوب تعميم العربية ووجوب تعلمها على كل مسلم ليفهم القرآن
الكريم الذي هو أصل الدين، أما سير الإسلام مع اللغة فقد كان من العجائب التي لم
يعهد لها نظير في التاريخ، لم يمض على انتشار الإسلام في بلاد الروم والفرس
وبلاد أفريقيا وغربي أوربا إلا زمن يسير حتى علت اللغة العربية على لغات هذه
الأمم، بل نسختها كما تنسخ آية النهار آية الليل من غير مدارس ولا معلمين
ينصرفون إلى تعليم اللغة، فهذا دليل على أن الصحابة الكرام ومن اهتدى بهديهم
من الفاتحين كانوا يلقِّنون الناس الدين على وجه يبعثهم على تعلم العربية من أنفسهم
وما كان ذلك الانتشار السريع إلا بهذا الوازع النفسي الذي يفعل ما لا تفعل
السياسة ولا المدارس، وما أوقف هذا السير إلا ضعف الدول العربية ووثوب
الأعاجم على عروشها، وإفتاء علماء الأعاجم بجواز العبادة وقراءة القرآن والذكر
في الصلاة باللغات الأعجمية.
ومن المسائل المفيدة في هذا المقام أن ما يكون به الإنسان مسلمًا في الجملة
شيء سهل بسيط يمكن إيصاله إلى كل عربي وعجمي في وقت قصير؛ ولكن نمو
الإسلام وفهم ما جاء به من الحكم والمعارف التي ترقي النوع البشري يتوقف على
معرفة العربية حق المعرفة، وفهم المسلمين للقرآن وكونهم أمة واحدة يتحدون في
مقومات الأمم التي يمكن الاتحاد فيها وأهمها الدين واللغة، وهذا الإصلاح
الاجتماعي الذي جاء به الإسلام وهو السعي في وحدة أمم الأرض باتفاقهم في اللغة
والدين، هو الذي توجهت إليه أخيرًا أنظار فلاسفة أوربا ودولها القوية وكل واحدة
منها تبذل الملايين لأجل تعميم لغتها، ولم يكن المسلمون في عصر من الأعصار
متنبهين إلى أنه من واجبات دينهم؛ لأنهم لم يتوسعوا في علم الاجتماع البشري
الذي هو علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ودين الإسلام فيه أكمل الأديان؛ وإنما
كانت تأتي المسائل الجزئية منه في تضاعيف كلام بعض الأئمة عندما يتكلمون في