وهكذا بين الله عزّ وجل من يستحق هدايته وبشرهم، وفي ذلك رد على الكافرين الذين يقترحون الآيات، وإقامة حجة عليهم أن ضلالهم ليس بسبب عدم كفاية الآيات؛ بل لمرض فيهم وقصور عندهم عن الخير، ذلك هو أول رد عليهم، وفيما يأتي من المقطع ردود أخرى كما سنرى:
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي مثل ذلك الإرسال أرسلناك، إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات، وقد فسر كيف أرسله بقوله فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم، وأنت خاتم الأنبياء لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي لتقرأ عليهم الكتاب العظيم فتبلغهم رسالة الله وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ
أي بعثناك وحال هذه الأمة أنهم يكفرون بالرحمن الذي هو البليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء، فهم يكفرون بالرحمن ولا يقرون به، ويأنفون من وصف الله به كما أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوابسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا ما ندري ما الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به، معترف له مقر بالربوبية والألوهية هو ربي لا إله إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي في جميع أموري وَإِلَيْهِ مَتابِ أي وإليه أرجع وأنيب فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أي عن مقارها أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ حتى تتصدع وتتزايل قطعا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن؛ لكونه غاية في التذكير، ونهاية في الإنذار والتخويف، قال ابن كثير في تفسيرها: (أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك، لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون جاحدون له.» اه