لذلك إن وجدت مشقَّة في التكليف فعليك أن تعلمَ أن جزاء تلك المشقَّة هو الجزاء الجميل ؛ لأنك صدَّقْتَ رسولك صلى الله عليه وسلم حين قال:"حفت الجنة بالمكاره ؛ وحفت النار بالشهوات".
والعاقل ساعةَ يرى تكليفاً يحُدُّ من حريته ؛ فهو يستحضر الجزاء على تلك المشقَّة ، وهو أيضاً حين يرى أمراً يبدو في ظاهره شهوة عاجلة ؛ فهو يستحضر العقاب على تلك الشهوة العاجلة فيستبعدها .
وأي من الجزاء الطيب أو العقاب قد يأتي فجأة ؛ لأن الموتَ لا ميعادَ له ؛ ونحن نُصدِّق قول رسولنا صلى الله عليه وسلم:"الموت القيامة ، فمن مات فقد قامت قيامته".
وهكذا يُضخِّم الحق سبحانه من جزاء المؤمن المُتقي فيعشق العمل ، ويتحمل مشاقّ التكليف ليكون مَوْصُولاً بالجزاء الطيب ، فهذا الجزاء هو عُقْبى العمل الحسن في الدنيا ، فالغاية الحقيقية من كل مراحل الوجود هي ألاَّ يوجد بَعْد للغاية ؛ لأنها غاية الخلود لا تعرف البعدية .
وما دامت الجنة تضمن الخلود أبداً ، فهي تستحق أن تكون غايةَ المؤمن وعاقبةَ عمله ، والتزامِه بالتكاليف الإيمانية .
تماماً كما تكون النار هي عاقبة الكافرين المُكذِّبين ؛ حيث يروْنَ الخير مصير المؤمنين ؛ ويروْنَ الشرَّ مصيرهم ؛ فيُجمع عليهم التنغيصُ ؛ مرة بوجود الخير عند أهل الإيمان ؛ ومرة بأن يَرَوْا ما أُعِدَّ لهم من شَرٍّ .
لذلك قال سبحانه: {... وَّعُقْبَى الكافرين النار} [الرعد: 35]
ويقول سبحانه بعد ذلك:
{والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب ...}
ونعلم أن الإسلام قد سُبِق بدينين ؛ دين النصارى قَوْم عيسى عليه السلام ؛ ومن قبله دين اليهود قوم موسى عليه السلام ؛ وكِلاَ الدينين له كتاب ؛ الإنجيل كتاب المسيحية ؛ والتوراة كتاب اليهودية ؛ والقرآن هو كتاب الله المهيمن الخاتم ؛ كتاب الإسلام ، وهناك كتب سماوية أخرى مثل: صحف إبراهيم ؛ وزبور داود ، وغير ذلك .