وبطبيعة الحال كان يجب أن يلتفتوا إلى أن المصباح يعتمد في اشتعاله على الزيت المخزون فيه ، ويأتيه منه المدد ، أما الجنة فمدَدُها من الله .
وهناك مَنْ قال: هل نتغوَّط في الجنة؟ فَردَّ عليه واحد من العارفين: لا . فتساءل: وأين تذهب بقايا ما نأكل من طعام الجنة؟
فقال العارف بالله: مثلما تذهب بقايا ما يتغذى عليه الطفل في بطن أمه ؛ حيث يحترق هذا الفائض في مَشِيمة الطفل ؛ والطفل في بطن أمه إنما ينمو بشكل مستمر ، مُعتمِداً على غذاء يأتيه من أمه عَبْر الحَبْل السُّريّ .
وكل تلك الأمور تقريبية تجعلنا نعبر الفجوة بين ما نشهده في حياتنا اليومية ، وبين ما أعدَّه الله للمتقين ، وهو القيُّوم على كُلِّ أمْرٍ .
وقد قال الحق سبحانه: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ ...} [الرعد: 35]
يعني: أن الطعام موجود ولا ينتهي وكذلك الظل . والظل حَجْب المضيء من مكان ؛ أو حَجْب مكان عن المضيء ، ولا أحد يعلم أنه ستوجد هناك شمس أم لا ؛ والعقل البشري قاصر عن تخيُّل ذلك ؛ فهو من فعل الله ، وهو سبحانه قادر على كل شيء .
وهو القائل سبحانه: {والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} [النساء: 57]
وهو القائل سبحانه: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30]
ويتابع سبحانه: {... تِلْكَ عقبى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار} [الرعد: 35]
أي: يا متقي الله ؛ وضعتَ بينك وبين صفات جلاله وقاية ، ولم تقربْ محارمه واتبعتَ منهجه ؛ ستجد أنه سبحانه يُجازِيك بصفات كَماله وجَماله ؛ فينزِلك الجنة التي وعدكَ بها .