(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) : أَي لو أَن قرآنا سيرت به الجبال أَو قطعت به الأَرض أَو كُلم به الوتى لكان هذا القرآن، لكنَّ هذا لم يحدث بل حدث سواه، لأَن الأَمر لله وحده يفعل ما يريد وفقا لمشيئته وحكمته، التي اقتضت أَن تكون آية النبوة في الإِسلام هي دستوره، وهو القرآن لا غيره من الخوارق، ولهذا لم يأْذن الله للرسول بأَن يتحدى بما ظهر على يده من الخوارق سواه.
(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) :
لم ينزل القرآن بلغة قريش وحدها. بل اشتمل عليها وعلى غيرها حتى يعلم العرب أَن القرآن بلغتهم جميعًا. وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن على سبعة أَحرف
وكلمة"ييئس"هنا بمعنى يعلم في لغة النخع - كما حكاه الفراءُ - وفي لغة هوازن - كما حكاه مجاهد والحسن والقاسم بن معين.
والمعنى على هذا: أَفلم يعلم الذين آمنوا أَنه لو يشاءُ الله هداية الناس جميعًا لفعل. ولكنه جعل سبيل الهداية إِلى الحق اختيار العبد وفعله، بعد أَن يسر الله له أَسبابها وأَزاح موانعها.
ومن العلماءَ من حملها على معناها المعروف وفسر الآية عليه كما يلي: أَفلم ييئس الذين آمنُوا من إِيمان المشركين لأَنه لو يشاء الله لهداهم جميعًا، وهم لم يهتدوا بل أصروا على الكفر فكان حقُّ المؤمنين أَن ييئسوا من إيمانهم، ويدركوا أَنه تعالى لم يشأْ هدايتهم.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) :
أَي ولا يزال الكافرون من أَهل مكة تنزل بهم بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وإِيذاءَ المؤمنين وإِخراجم من ديارهم - تنزل بهم بسب ذلك - داهية تقرعهم وتقلقهم من آن لآخر، كالذي كان يحدث لهم حينا بعد حين من القتل وَالأسْر وأَخذ غنائمهم في غزوات المسلمين وسراياهم، أَو تحل تلك الداهية في مكان قريب من دارهم (مكة) فيتطاير إِليهم شررها ويصابون بلهبها، حتى يأْتى وعد الله بفتح مكة وسقوط معقل الشرك، فيتم للمؤمنين النصر، ويدخل الناس في دين الله أَفواجا، إِن الله لا يخلف وعده في الأَمر كله.