(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) ، أي عليه وحده توكلت في الدنيا، لأنه هو القائم على كل نفس بما كسبت، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للدلالة على القصر، أي لا أتوكل على غيره، والتوكل لَا ينافي العمل، بل إن التوكل بين أمرين كلاهما باطل، الأمر الأول أن يعتقد أن الأسباب وحدها هي التي تؤثر في النجاح، وينسى قدرته المحيطة بكل شيء، والثاني من الباطل التواكل، وهو أن يهمل الأخذ بالأسباب، بل يأخذ بالأسباب، ويترك الوصول إلى النتائج لله سبحانه وتعالى فهو تعالت قدرته لَا يغفل عن شيء، والقادر على كل شيء (وَإِلَيْهِ مَتَابِ) ، (متاب) مصدر ميمي لتاب بمعنى رجع وتقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص، أي أن مرجعي إليه وحده، وله الحساب وحده، وله الثواب والعقاب وحده، لَا شريك له، فالملك اليوم لله الواحد القهار.
وإن المشركين طلبوا آيات: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ من رَّبِّهِ. . .) ، وكأنهم لَا يعتدون بما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من معجزة القرآن، وأنه سبحانه وتعالى تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، وبدا عجزهم، وظهر إعجازه، ولم يكن
لأي آية غير ذلك التحدي المعجز، ولأجل ذلك بين الله سبحانه وتعالى مقام القرآن في ذاته، وأنه أغلى كلام في الوجود، ولو أن كلامه يسير الجبال لسيرها، ولو أن قرآنا يقطع الأرض أجزاء لقطعها، فقال تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ...(31)