ومعنى الاطمئنان سكونُ القلب واستقراره وأُنْسُه إلى عقيدة لا تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد .
ونعلم أن الإنسانَ له حواسٌّ إدراكية يستقبل بها المُحسَّات ؛ وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها ؛ بعد إدراكها ؛ ويفحصها جيداً ، ويتلمس مدى صِدْقها أو كَذِبها ؛ ويستخرج من كل ذلك قضية واضحة يُبقِيها في قلبه لتصبح عقيدة ، لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب .
وهكذا تمرُّ العقيدة بعدة مراحلَ ؛ فهي أولاً إدراك حِسِّي ؛ ثم مرحلة التفكّر العقلي ؛ ثم مرحلة الاستجلاء للحقيقة ؛ ثم الاستقرار في القلب لتصبح عقيدة .
ولذلك يقول سبحانه: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ...} [الرعد: 28]
فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة ؛ وقد يمرُّ على القلب بعضٌ من الأغيار التي تزلزل الإيمان ، ونقول لمن تمرُّ به تلك الهواجس من الأغيار: أنت لم تُعْطِ الربوبية حقها ؛ لأنك أنت الملوم في أي شيء يَنَالُكَ .
فلو أحسنتَ استقبال القدر فيما يمرُّ بك من أحداث ، لَعلِمْتَ تقصيرك فيما لك فيه دَخْل بأيِّ حادث وقع عليك نتيجة لعملك ، أما مَا وقع عليك ولا دَخْل لك فيه ؛ فهذا من أمر القَدَر الذي أراده الحقُّ لك لحكمة قد لا تعلمها ، وهي خير لك .
إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك ، وإن كان من داخل النفس فهو عليك . ولو قُمْتَ بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لَوجدتَّه أكثرَ بكثير مما سَلَبه منك . والمَثَل هو الشاب الذي استذكر دروسه واستعدَّ للامتحان ؛ لكن مرضاً داهمه قبل الامتحان ومنعه من أدائه .
هذا الشاب فعلَ ما عليه ؛ وشاءَ الله أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما ؛ كأنْ يمنع عنه حسَد جيرانه ؛ أو حسدَ مَنْ يكرهون أًمه أو أباه ، أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه مُعتمِد على الأسباب لا على المُسبِّب . أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيراً .