والمعجزة كما أوضحنا إنما تأتي من جنس ما نبغ فيه القوم ، ولا يأتي سبحانه بمعجزة لقوم لم يُحْسِنوا شيئاً مثلها ولم ينبغُوا فيه .
فالذين كانوا يمارسون السِّحْر جاءتْ المعجزة مع الرسول المرْسَل إليهم من نفس النوع ، والذين كانوا يعرفون الطبَّ ، جاء لهم رسول ، ومعه معجزة مما نبغُوا فيه .
وقد جاءت معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغُوا فيه ؛ فضلاً عن أن القرآن معجزة ومنهج في آنٍ واحد ، بخلاف معجزة التوقيت والتقيد في زمن .
ومع ذلك ، فإن كفار مكة تعنتُوا ، ولم يكتفُوا بالقرآن معجزةً وآيات تدلُّهم إلى سواء السبيل ؛ بل اقترحوا هم الآية حسب أهوائهم ؛ ولذلك نجدهم قد ضَلُّوا .
ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {... قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد: 27]
وهنا نقف وَقْفة ؛ لأن البعض يحاول أن يُسقِط عن الإنسان مسئولية التكليف ؛ ويدَّعي أن الله هو الذي يمنع هداية هؤلاء الكافرين .
ونقول: إننا إن استقرأنا آياتِ القرآن ؛ سنجد قَوْل الحق سبحانه: {... والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [البقرة: 264]
ونجد قول الحق سبحانه: {... إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [المائدة: 51]
ويقول سبحانه أيضاً: {... والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين} [المائدة: 108]
ومن كل ذلك نفهم أن العمل السابق منهم هو الذي يجعله سبحانه لا يهديهم ، لأن الإنسان ما دام قد جاء له حُكْم أعلى ، ويؤمن بمصدر الحكم ؛ فمن أنزل هذا الحكم يُعطِي للإنسان معونة ، لكن مَنْ يكذب بمصدر الحُكْم الأعلى فسبحانه يتركه بلا معونة .
أما مَنْ يرجع إلى الله ؛ فسبحانه يهديه ويدلُّه ويعينه بكل المَدَد .
ويواصل الحق ما يمنحه سبحانه من اطمئنان لمن يُنيب إليه ، فيقول:
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ}