وهكذا فَعَلى الإنسان المؤمن أن يكون موصولاً بالمُسبِّب الأعلى ، وأنْ يتوكل عليه سبحانه وحده ، وأن يعلم أنْ التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح ، وأنْ تتوكَّل القلوب ؛ لأن التوكل عملٌ قلبي ، وليس عملَ القوالب .
ولينتبه كُلٌّ مِنّا إلى أن الله قد يُغيب الأسباب كي لا نغتر بها ، وبذلك يعتدل إيمانك به ؛ ويعتدل إيمان غيرك .
وقد ترى شاباً ذكياً قادراً على الاستيعاب ، ولكنه لا ينال المجموع المناسب للكلية التي كان يرغبها ؛ فيسجد لله شكراً ؛ مُتقبِّلاً قضاء الله وقَدَره ؛ فَيُوفِّقه الله إلى كلية أخرى وينبغ فيها ؛ ليكون أحدَ البارزين في المجال الجديد .
ولهذا يقول الحق سبحانه: {وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]
وهكذا نجد أن مَنْ يقبل قَدر الله فيه ، ويذكر أن له رباً فوق كل الأسباب ؛ فالاطمئنان يغمرُ قلبه أمام أيِّ حدَثٍ مهْمَا كان .
وهكذا يطمئن القلب بذكر الله ؛ وتهون كُلّ الأسباب ؛ لأن الأسباب إنْ عجزتْ ؛ فلن يعجز المُسبِّب .
وقد جاء الحق سبحانه بهذه الآية في مَعرِض حديثه عن التشكيك الذي يُثيره الكافرون ، وحين يسمع المسلمون هذا التشكيك ؛ فقد توجد بعض الخواطر والتساؤلات: لماذا لم يَأْتِ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حِسِّية مثل الرُّسُل السابقين لتنفضّ هذه المشكلة ، وينتهي هذا العناد؟
ولكن تلك الخواطر لا تنزع من المؤمنين إيمانهم ؛ ولذلك يُنزِل الحق سبحانه قوله الذي يُطمئِن: {الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله ...} [الرعد: 28]
والذِّكْر في اللغة جاء لِمَعَانٍ شتّى ؛ فمرّة يُطلق الذِّكر ، ويُرَاد به الكتاب أي: القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]