وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس ، من طريق علي بن أبي طلحة ، وقد جاء في القرآن استعمال الهدى في الإرشاد إلى الشر أيضاً ، كقوله تعالى: {كُتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} وقوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} ، وقوله تعالى: {ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم} كما جاء في القرآن أيضاً إطلاق الإمام على الداعي إلى الشر ، في قوله: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ..} الآية .
الثاني: أن معنى الآية: أنت يامحمد - صلى الله عليه وسلم - منذر ، وأنا هادي كل قوم ويُروى هذا عن ابن عباس من طريق العوفي ، وعن محمد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. قاله ابن كثير .
وعلى هذا القول ، فقوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} ، يعني به نفسه جل وعلا .
ونظيره في القرآن قوله تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} يعني نفسه ، كما قاله قتادة .
ونظيره من كلام العرب قول قتادة بن سلمة الحنفي:
ولئن بقيتُ لأرحلنَّ بغزوةٍ تحوي الغنائم أو يموت كريمُ
يعني: نفسه .
وسيأتي تحرير هذا المبحث إن شاء الله في سورة القارعة .
وتحرير المعنى على هذا القول: أنت يا محمد منذر ، وأنا هادي كل قوم سبقتْ لهم السعادة والهدى في علمي ؛ لدلالة آيات كثيرة على أنه يتعالى هدى قوماً وأضل آخرين ، على وفق ما سبق به العلم الأزلي ، كقوله تعالى: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} .