وما أنْ يأتي هذا القول مُحرِّكاً لتلك الحقيقة الإيمانية من حافة الشعور إلى بُؤْرة الشعور ؛ حتى يدعو زكريا ربه في نفس المكان ليرزقه بالولد ؛ فيبشره الحق بالولد .
وحين يتذكر زكريا أنه قد بلغ من الكبر عتياً ، وأن امرأته عاقر ؛ فيُذكِّره الحق سبحانه بأن عطاء الولد أمر هَيِّن عليه سبحانه: {قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9]
ويقول سبحانه من بعد ذلك:
{عَالِمُ الغيب والشهادة ...}
ومَنْ كُلُّ شيء عنده بمقدار ؛ لا يغيب عنه شيء أبداً ، وما يحدث لأيِّ إنسان في المستقبل بعد أن يُولَد هو غيب ؛ لكن المُطَّلع عليه وحده هو الله .
وكأن هناك"نموذجاً"مُصَغَّراً يعلمه الله أولاً ؛ وإن اطلع عليه الإنسان في أواخر العمر ؛ لوجده مطابقاً لِمَا أراده وعلمه الله أولاً ؛ فلا شيء يتأبَّى عليه سبحانه ؛ فكُلُّ شيء عنده بمقدار .
وهو عالم الغيب والشهادة ؛ يعلمُ ما خَفِي من حجاب الماضي أو المستقبل ، وكُلّ ما غاب عن الإنسان ، ويعلم من باب أَوْلَى المشهودَ من الإنسان ، فلم يقتصر علمه على الغيب ، وترك المشهود بغير علم منه ؛ لا بل هو يعلم الغيب ويعلم المشهود: {عَالِمُ الغيب والشهادة الكبير المتعال} [الرعد: 9]
والكبير اسم من أسماء الله الحسنى ؛ وهناك مَنْ تساءل: ولماذا لا يوجد"الأكبر"ضمن أسماء الله الحسنى ؛ ويوجد فقط قولنا"الله أكبر"في شعائر الصلاة؟
وأقول: لأن مقابل الكبير الصغير ، وكل شيء بالنسبة لمُوجِده هو صغير . ونحن نقول في أذان الصلاة"الله أكبر"؛ لأنه يُخرِجك من عملك الذي أوكله إليك ، وهو عمارة الكون ؛ لتستعين به خلال عبادتك له وتطبيق منهجه ، فيمدُّك بالقوة التي تمارس بها إنتاج ما تحتاجه في حياتك من مأكل ، ومَلْبس ، وسَتْر عورة .