ونحن نعلم أن كُلَّ أنثى حين يشاء الله لها أن تحبل ؛ فهي تحمل الجنين في رحمها ؛ لأن الرحم هو مُسْتقرُّ الجنين في بطن الأم .
وقوله تعالى: {وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ...} [الرعد: 8]
أي: ما تُنقص وما تُذهب من السَّقْط في أي إجهاض ، أو ما ينقص من المواليد بالموت ؛ فغاضت الأرحام ، أي: نزلتْ المواليد قبل أن تكتمل خِلْقتها ؛ كأن ينقص المولود عيناً أو إصبعاً ؛ أو تحمل الخِلْقة زيادة تختلف عما نألفه من الخَلْق الطبيعي ؛ كأن يزيد إصبع أو أن يكون برأسين .
أو أن تكون الزيادة في العدد ؛ أي: أن تلد المرأة تَوْأماً أو أكثر ، أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن الحَمْل .
وهكذا نعلم أنه سبحانه يعلم ما تغيض الأرحام . أي: ما تنقصه في التكوين العادي أو تزيده ، أو يكون النظر إلى الزمن ؛ كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم أو شهر أو شهران ، ثم إلى ستة أشهر ؛ وعند ذلك لا يقال إجهاض ؛ بل يقال ولادة .
وهناك مَنْ يولد بعد ستة شهور من الحمل أو بعد سبعة شهور أو ثمانية شهور ؛ وقد يمتد الميلاد لسنتين عند أبي حنيفة ؛ وإلى أربع سنوات عند الشافعي ؛ أو لخمس سنين عند الإمام مالك ، ذلك أن مدة الحمل قد تنقص أو تزيد .
ويُقال: إن الضحاك وُلِد لسنتين في بطن أمه ، وهرم بن حيان وُلِد لأربع سنين ؛ وظل أهل أمه يلاحظون كِبَر بطنها ؛ واختفاء الطَّمْث الشهري طوال تلك المدة ؛ ثم ولدتْ صاحبنا ؛ ولذلك سموه"هرم"أي: شاب وهو في بطنها .
وهكذا نفهم معنى"تغيض"نَقْصاً أو زيادة ؛ سواء في الخِلْقة أو للمدة الزمنية .
ويقول الحق سبحانه: {... وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8]
والمقدار هو الكمية أو الكيف ؛ زماناً أو مكاناً ، أو مواهب ومؤهلات .
وقد عَدَّد الحق سبحانه مفاتيح الغيب الخمس حين قال: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام ...} [لقمان: 34]