وبعد أن ذكر هذه الدلائل قال: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} ؛ أي: أمر العالم وحده؛ أي: يقضي سبحانه وتعالى، ويدبر أمر ملكوته من الإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب، ورفع قوم ووضع آخرين، وغير ذلك؛ أي: إنه تعالى يتصرف في ملكه على أتم الحالات وأكمل الوجوه، فهو يحيي ويميت، ويوجد ويعدم، ويغني ويفقر، وينزل الوحي على من يشاء من عباده، وفي ذلك برهان ساطع على القدرة والرحمة، فإن اختصاص كل شيء بوضع خاص وصفةٍ معنية لا يكون إلا من مدبر اقتضت حكمته أن يكون كذلك، فتدبيره لعالم الأجسام كتدبيره لعالم الأرواح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير شيء عن تدبير آخر، كما هو شأن المخلوقات في هذه الدنيا، وكذلك هو دليل أيضًا على أنه تعالى متعال في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته، لا يشبه شيئًا من مخلوقاته.
{يُفَصِّلُ} ؛ أي: يبين سبحانه وتعالى {الْآيَاتِ} ؛ أي: البراهين الدالة على وحدته في ألوهيته وربوبيته، وكمال قدرته، وعجيب حكمته التي منها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد، وتسخير الشمس والقمر وجريهما إلى أجل مسمى. وقرأ النخعي وأبو رزين وأبان بن تقلب عن قتادة شذوذًا: {ندبر الأمر نفصل} بالنون فيهما.
وكذا قال أبو عمرو الداني عن الحسن فيهما، ووافق في {نفصل} بالنون الخفاف وعبد الواحد عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص شذوذًا. وقال صاحب"اللوامح": جاء عن الحسن والأعمش شذوذًا: {نفصل} بالنون فقط ذكره في"البحر"أبو حيان. والمعنى: أي: يلبس الموجودات ثوب الوجود بنظام محكم دقيق، ويوجد بينها ارتباطات تجعلها كأنها سلسلة متصلة الحلقات لا انفصام لبعضها عن بعض، فالمجموعة الشمسية من الشمس والقمر والكواكب مرتبطة في حركاتها بنظام خاص بوساطة الجاذبية لا تحيد عن سننه، ولا تجد معدلًا عن السير فيه بحسب النهج الذي قدر لها، ولا تزال كذلك حتى ينتهي العالم، فيحدث حينئذ تغيير لأوضاعها واختلال لحركاتها {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) } .