وَفِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا بِ «الْحَقُّ» وَ «الْحَقُّ بِهِ» وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَأْوِيلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةُ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْهُمَا، وَالْآخَرُ: الْخَفْضُ عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْحَقُّ بِمَعْنَى: ذَلِكَ الْحَقِّ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِمُضْمَرٍ مِنَ الْكَلَامِ قَدِ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي «وَالَّذِي» ، وَهُوَ نَعْتٌ لِلْكِتَابِ، كَمَا أَدْخَلَهَا الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ:
[البحر المتقارب]
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ
فَعَطَفَ بِالْوَاوِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ صِفَةِ وَاحِدٍ، كَانَ مَذْهَبًا مِنَ التَّأْوِيلِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ إِذَا تُؤَوَّلُ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي «الْحَقُّ» الْخَفْضُ، عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِـ «الَّذِي»
وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَلَا يُقِرُّونَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ مُحْكَمِ آيِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ هُوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، فَجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ سَقْفًا مَسْمُوكًا، وَالْعَمَدُ جَمْعُ عَمُودٍ، وَهِيَ السَّوَارِي، وَمَا يُعْمَدُ بِهِ الْبِنَاءُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر البسيط]
وَخَيَّسَ الْجِنَّ أَنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ وَالْعَمَدِ