فأشبه هذا حال أهل الجنة إذ اجتمعوا هنالك فتذكروا ثم قالوا(الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)
وما ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله:"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا"
[سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ] ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ وإلا وهو محاضره، فيذكره ببعض هناته،
فيستحي من ربه فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَوَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فيقول له: نعم قد رضيت
عنك"وكان منه هذا التقدير والتوبيخ، وبقي عليه أن ينبئهم بذلك"
على حال الشكر والتعريف بنعم الله - جلَّ جلالُه - والدعاء إليه والتبليغ عنه فقال - عليه السَّلام -:
(يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) ومعنى الحق هنا: وجودها
بالفعل ذكرًا بأي يصدق تعبيره إياها معرضًا بالثناء على ربه عز ذكره، والحمد لله
رب العالمين.
(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) وظهر من خطابه هذا وسياق الله تعالى أباه عنه في
معرض التصويب والمدح له أن الحضر أحسن للاستيطان من البدو؛ إذ القبول
بذلك تعلم العلم وحال الذكر، فإذا تعذر في الحضر طلب العلم وخيف علو الفتن
على الذكر، فالفرار عنها إلى التفرد والخلوة فرض لازم.
يقول - عليه السلام -: (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)
ثم تذكر أمورًا أخرى بها المقادير دون ذلك وعظائم اعترضت على حال الوصول
تبعد في بادئ الرأي منال المرغوب معهن، فقال: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) .
ولما أنهى القصص الحق أرجع جل وعز الخطاب إلى المواجهة بقوله
جل قوله: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) اجتمع هنا من الغيب أنه لم يكن
حاضرها، وقد استاقها جل ذكره وعرض بأنها آيات على غيابات موجودات الآخرة