قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أسرّ في نفسه قولهم:"إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ"قاله ابن شجرة وابن عيسى.
وقيل: إنه أسرّ في نفسه قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} ثم جهر فقال: {والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} .
(قاله ابن عباس ، أي أنتم شر مكاناً ممن نسبتموه إلى هذه السرقة.
ومعنى قوله"والله أعلم بما تصفون") أي الله أعلم أنّ ما قلتم كذب ، وإن كانت لله رضا.
وقد قيل: إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء.
قوله تعالى: {قَالُواْ يا أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول أو موته.
وقولهم:"إنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً"أي كبير القدر ، ولم يريدوا كبر السنّ ؛ لأن ذلك معروف من حال الشيخ.
"فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ"أي عبداً بَدَلَه ؛ وقد قيل: إن هذا مجاز ؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقّه ؛ وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا ، وأنت لا تريد أن يقتلك ، ولكنك مبالغ في استنزاله.
ويحتمل أن يكون قولهم:"فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ"حقيقة ؛ وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة ؛ أي خذ أحدنا مكانه حتى ينصرف إليك صاحبك ؛ ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه ؛ ويعرف يعقوب جليّة الأمر ؛ فمنع يوسف عليه السلام من ذلك ، إذِ الحمالة في الحدود ونحوها بمعنى إحضار المضمون فقط جائزة مع التراضي ، غير لازمة إذا أَبَى الطالب ؛ وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة ، فلا يجوز إجماعاً.
وفي"الواضحة": إن الحمالة في الوجه فقط في (جميع) الحدود جائزة ، إلا في النفس.