بها بما فعلوه بيوسف وأخيه وأبيهم حال فعلهم، لذلك قال يوسف في نفسه عند
قولهمِ:(إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ
قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)أي: من جهلكم كان يعالجهم ويرومهم
ويكلمهم من موضع الابتلاء بالغربة عن الحق المبين وهم في غفلة الناس إلا ما
شاء الله - عز وجل - .
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا...) إنما كان له الأخذ بهذه
المعاريض؛ لأن الله بوَّأه موضع حكم المآب، فكان به يحكم وعن حكم الحق،
وبلسانه ينطق كان يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ولم يجد عند
نفسه متاعًا عند بنيامين على الوجه المذموم فيأخذه من أجل ذلك بحكم الشرع،
وإنما حكمه هذا فيه بحكم التقريب المنذر به، وأنه سيكون فرطًا لمن به، وأنه
سيكون اتبعه على الوجه الذي قدره الله تعالى من الابتلاء له وبه، وإن أخاه [بنيامين]
يكون وأردًا بعد الفارط، وعند ذلك يكون الإرسال في الجملة، فكان هو
لمجم بحكم الله بوحي من الله - جلَّ جلالُه - إليه في ذلك، دل على ذلك سياق الله جل ذكره
بذلك في معرض المدح بحكمه وفعله، وجعله هذا من حكمه، وقوله وما قبله وما
بعد من الإنباء كله عبرة لأولي الألباب، ولا تستغربن هذا؛ إنه الحق من ربك والله
أعلم بحكمه وعلمه.
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) يقول: تخلصوا من الناس وانفردوا يتناجون
(قَالَ كَبِيرُهُمْ) قيل: إنه القائل منهم في أول مرة:(لَا تَقْتُلُوا
يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ...)(أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ
عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ)، وتذمم من لقاء أبيه بذنب بعد
ذنب، وهذا ذنب لم يكن إليه ولا إليهم فإنهم قد غلبوا عليه، وقد استثناه لهم
حين الميثاق أبوهم عند أخذ الميثاق منهم بقوله: (إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)
أي: تغلبون عليه لكن كان ذلك منه استحياء وتذممًا.
كذلك ينبغي أن يكون المؤمن الجاني على نفسه ولو جاءه الوعد بالأمن