المؤمنين لله يوم لقائهم له حين تجليه العلي في صورته التي عرفهم بها في هذه
الدار، وعظتهم لما آل إليهم شأنهم وأنهم نقلوا حين تابوا لله ولرسوله من البدو
أو من كنعان إلى مصر يتبوؤن منها حيث يشاءوا، فعبر منها ذلك إلى نقله
التائبين من عباد الله من الدنيا إلى الجنة يتبوؤن منها حيث شاءوا؛ لذلك عرض
بقوله الصدق: (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56) .
يعرض برفعه درجات أوليائه في الدار الآخرة هم درجات عند الله، لذلك أيضًا
كان بنو يعقوب - عليهم السلام - درجات فيما هنالك، ثم انظر في تفاوت العباد
المؤمنين في لقاء ربهم، أما المذنبون فقصاراهم العفو عن ذنوبهم والمغفرة
لخطاياهم، وأما الأولياء وأهل المحبة الطاهرة من الذنوب فلهم الإجلال
والإكرام.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) يعني: عانقه وضمه إليه
التزامًا وشمًا وتشفيا من اشتياق الغربة، (قَالَ) له: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(69) .
كما قال عز من قائل: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)
وقال:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا
تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا).
تفطن - وفقك الله وبلغ بنا وبك رفيع الدرجات - فكذلك يقول الله سبحانه
وله الحمد في الدنيا والآخرة يوم اللقاء الكريم:(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)أي: مما ترونه من فظيع الأحوال وطول المقام
(الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ(69) . أمثال ذلك قول يوسف لأخيه: (فَلَا تَبْتَئِسْ
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) . ثم يقول الله جل من قائل ا: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ
وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) . كما قال يوسف - عليه السَّلام -: (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ