ما علمناه من تخلفنا لوجد فيهم أنهم سلكوا مسالك من كان قبلهم كما ضلال
المهلكين، وغير المهلكين الذين سبق لهم من الله - جلَّ جلالُه - الإمهال تبعوا سنن من كان
قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا.
وفي ذلك يقول الله جل من قائل: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ
إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ.
وقال: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(118) .
(إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) .
ومن العبرة: وهو أن ينظر في تغريبه - عليه السَّلام - عن أبيه وأهله ووطنه، فتعبر منه إلى
غربة المؤمن عن قرارة فوزه وموضع مسقط رأسه وأولية خلقته، وهو الجنة
التي [الجار] فيها هو البر الرحيم معدن النعمة والراحة والأمن، ثم حسد إخوته
كحسد إبليس لآدم - عليه السلام - ثم بنيه من بعده، لذلك قال بعضهم:
أنا في الغربة أبكي ... ما بكت عين غريب
لم أكن يوم خروجي ... من بلادي بمصيب
عجبًا لي ولتركي ... وطنًا فيه حبيبي
فغيب - عليه السَّلام - إلى الاستعباد، وعرض به الفتن وضروب المحن والسجن، إلى
غير ذلك مما ابتلي به، وذلك في التمثيل كتغريب أبينا آدم - عليه السَّلام - وتغريب جميعنا من
أجله، ثم أرج عند لقاء الله الكريم من الترحيب والإكرام أكثر وأفضل من ذلك
الإكرام وأرحب من ذلك الترحيب وفْتفقد جميع ما أصابهم وعاقبة ذلك،
وتعرف عاقبة التغريب الأول وأحسن العبرة فبذلك أمرت، وانظر في الرؤيا،
ومثل حال الحَالم بساكن الدنيا المغرب إليها فإنه فيها كالنائم، وما يلاقيه من محنها
وسرائها وضرائها وشأنه كله فيها كالرؤيا والأحلام، وإن الرؤيا في معرض الصدق
والذكر في هده الأحلام فيها كالأباطيل، والمنسوب من مرأى النائم إلى
الشيطان والأضغاث كموجودات دار الدنيا ومتاعها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".
فاعبر إذًا من رؤياه إلى موضع تمام أجل غربته، وحلول وقت اللقاء بأهله
وأبيه، وتوهم بسجوده ومجودهم حين اللقاء شكرًا لله - عز وجل - ، ومثله بسجود