ولما دفع إليهم أخاهم حذرهم من موضع المخافة عليهم وقال:(وَمَا أُغْنِي
عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ).
يقول الله - عز وجل -: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) أي: العلم الذي أتاه
بالنبوة وفطرتها، وبما أعلمه من بدء الأمر من تأويل رؤيا يوسف - عليه السلام - الذي عبر عنه
في آخر الأمر بقوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(96)
وما عبر عنه مناجاة يوسف - عليه السَّلام - ربه عز جلاله(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
ثم قال جلَّ قوله: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)
يعني: التوراة والإنجيل والزبور والصحف المنزلة قبله (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) الذي
هو كل شيء هو أم الكتاب، فهذا تفصيل ما كان في معناه أو تعلق به أو جاوزه
من أم الكتاب، فكل شيء أحكم الله آياته في الكتاب المبين، ثم فصله بالوجود
إيجاد وبالكتاب إعلامًا وقصصًا (وَهُدًى) إلى الاعتبار (وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .
(عبرة) :
سبيل الاعتبار في هذا - واللَّه أعلم - كما عبر يعقوب في رؤيا ابنه من رؤية
الشمس والقمر إلى التفصيل وإلى الملك والاجتباء ومن رأيته الكواكب مع
الشمس والقمر إلى أن يعلم تأويل الأحاديث، ومن سجود الإخوة بعد معرفة
العبرة إليهم إلى حدوث العداوة منهم له بما جعل الله - جلَّ جلالُه - في الكواكب من أمره،
وأمره مشتمل على الضر والنفع، وكما عبر يوسف في رؤيا الملك من السبع
البقرات السمان إلى السبع السنين الخصبة، ومن العجاف إلى السبع الشداد، ومن
السنابل الخضر إلى نعمة الحال وخضرة العيش، ومن السنابل اليابسات إلى
المجدبة منهن، فاعتبر أنت - وفقك الله - من وجود عداوة إخوته إياه
وإخراجهم له عن أرضه إلى أرض مصر إلى أن ذلك من تصديق ما أنبئ به إبراهيم،