الظاهر المعلوم من رحمة الأنبياء والرسل وبرهم ورأفتهم لا سيما بالآباء والقرابات أنه كان ينبغي، بل كان يجب على يوسف إعلام أبيه يعقوب - عليهما السلام - وإدخال السرور عليه، ولا يتركه إلى الحرض ويسلمه إلى الحزن، مع عدم تعذر ذلك عليه، وتمكنه من الأمر في أرض مصر من إرسال الوصايا والأشخاص إلى أبيه الشديد البث، الكثير البكاء، العظيم المصاب يعرفه بحاله حيث هو، وما الذي جرى له وعليه القدر، وإلى ما آل إليه شأنه، وقد قيل: إنه بلغ
من الحزن وعظيم الوجد وجد سبعين ثكلى، وهما يومئذٍ خير من على وجه
الأرض، فكأن يكون لأبيه في ذلك عزاء، ومن عظيم حزنه وكثرة بكائه عليه مسلىً،
وهم القدوة للأمم بعدهم، والأئمة الأدلاء على القصد إلى الله سبحانه.
الجواب: ليس شأن الأنبياء - عليهم السلام - فيما بينهم كسواهم، بل شأنهم
انتظار الإذن من الله - جلَّ جلالُه - لا يتقدمون ولا يتأخرون بإذن من الله سبحانه، فما أذن لهم
فعلوه وائتمروا له، وما لم يأذن لهم به وكلوه إليه وهو - عليه السَّلام - لم يؤذن له في
الإعلام بشأنه إلى أبيه؛ ليستوفي هو وأبوه بالحزن عليه، والشوق إلى لقاء كل واحد منهما صاحبه دخرًا زائدًا إلى عملهما، ودرجة لم ينلها بنبوته ولحكمة لله
جل ذكره في ذلك.
قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن لأصحابه في الهجرة من مكة إلى المدينة، وكان
ذلك عن إذن الله وبقي هو ينتظر أن يؤذن له، ثم استأذنه أبو بكر بأن يهاجر
فيمن هاجر إلى المدينة؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -:"أنا أنتظر الإذن في الهجرة"فقال أبو بكر:
الصحبة يا رسول الله، قال:"الصحبة"فبقي أبو بكر أربعة أشهر يعلف ناقتين له
ينتظر أن يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهاجر معه حتى نزل عليه الإذن من ربه - عز وجل -
فهاجر، وعلى هذا يتخرج تأخر إعلام يوسف أباه، وهذا شأن الأنبياء مع ربهم
وسيرهم وأحوالهم (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
فإن قلت: فما بال يعقوب - عليه السَّلام - حزن الحزن كله ولزم البث والبكاء، حتى بلغ