ما عبر الله جل ذكره عن حاله تلك بقوله الحق: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى
يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) .
يقول: فهو أبدًا يكظم حزنه ويعالج قلبه وما به، وقد أمره الله بالصبر والاستغناء
بالله، إذ فيه العوض من كل فائت، بل لزم ما هو فيه حتى قال له بنوه: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ
تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) .
والأنبياء - عليهم السلام - هم القادة الأئمة جعلهم الله أمثالاً للأمم، ويعقوب
ويوسف وإخوته آيات على أمر اللَّه في أوليائه، وأنه يختبرهم ثم كيف يقبض
بعضهم دون بعض، ثم كيف يرسل إلى ما شاء من أوليائه عند قبض الملك إياه
بشارته، وكيف يفتح بصره الذي يبصر به موجود الآخرة، عبر عن ذلك برده بصر
يعقوب، بإلقاء القميص على وجهه يقول عز من قائل:(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ
عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا).
وإنما هي أمثلة كالمحاجاة جعلها آيات، أقام يوسف لمكان ملكه مقام الملك
الحق، ويعقوب مقام الولي الشيق المحب، والإخوة مقام المؤمنين، والله هو العليم
الحكيم لطيف لما يشاء، وإلى هذا انتهت العبرة في أثناء القصص الحق (وَاللَّهُ يَقُولُ
الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) .
والجواب: إن يوسف - عليه السَّلام - لم يكن من متاع الدنيا، فيُكره نفسه على الصبر
دونه ويكسرها عن الحزن عليه، بل هو مما هو لله جل ذكره وهو حب لله، ومحبة
المحجوب حب لله، والشوق إليه هو شوق لله، والحزن عليه حزن على ما هو لله - عز وجل - .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه"
من نفسه، ومن أهله وماله وولده والناس أجمعين"."
قوله - جلَّ جلالُه -: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ...(111) . العبرة: هي أن يشاهد
المتفكر بعلمه وقلبه ما يقف عليه بلُبِّه، فإن كان هذا المعلوم مما هو من متاع الدنيا
فليقفز قفزة الأكياس إلى منبعثه من موجودات الآخرة، وليعبر من موجود ما فكر