ثم تأمل كيف ظهرت فِراسة موسى عليه السلام في بني إسرائيل المشار إليها في قوله: {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف: 129] ؛ فإنك
ستنظر إلى ما يتنبه من أفعالهم وقبائحهم.
وفي الحديث الصحيح:"إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مسْتَخْلِفُكُمْ فِيْهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ".
ونقل في"الكشاف"عن عمرو بن عبيد - وهو رأس القدرية، وكان من زهَّادهم - دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، فطلب زيادة لعمرو، فلم يوجد، فقرأ عمرو هذه الآية، ثم دخل عليه بعدما استخلف فذكر له ذلك، فقال: قد بقي: {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف 129] .
* فائِدَةٌ ثانِيَةَ عَشْرةَ:
قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} ؛ يعني: بني إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) } {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [سورة القصص: 5 - 6] .
وكذلك فعل سبحانه وتعالى؛ أدار لبني إسرائيل على القبط، فأراهم هلاكهم، ثم مكنوا في الأرض واستخلفوا فيها، وأورثوها.
فمن عوائد الله تعالى التي تجري كثيراً: أنَّ العبد بين ضرَّاءٍ وسرَّاء، وأن المستضعف قد يقوى ويستخلف، فينبغي للإنسان مع من
قدر عليه بالانتقام أن يُبقي للصلح موضعاً؛ فإن فرعون لمَّا لم يُبْقِ مع موسى عليه السلام للصلح موضعاً لم ينتفع بموسى عليه السلام.
وكذلك جرى لقارون على ما سيأتي.
بل كل منهما لم يبق للصلح موضعاً مع الله تعالى، وكان في ذلك دمارهم.
وكذلك حال الجبَّارين؛ نعوذ بالله من فتنة المفتونين.
* فائِدَةٌ ثالِثَةَ عَشْرةَ:
روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال موسى عليه السلام: يا رب! أمهلت فرعون أربعمئة سنة وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ويكذب بآياتك ورسلك؟
فأوحى الله تعالى إليه: كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأحببت أن أكافيه.
والمعنى: أحببت أن أكافيه في الدنيا على هاتين الخصلتين بإطالة المدة في الملك والنَّعمة - بفتح النون -.