أو ليعتبروا ببدن ملقى حقيراً لا حراك به، ولا أمر ولا نهي له بعد ما كان متحركاً، أمَّاراً نهَّاءً، جبَّاراً عنيداً.
قال محمد بن كعب رحمه الله تعالى في قوله: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} [سورة يونس: 92] قال: بدرعك.
قال: وكانت درعهم من لؤلؤ يلاقي فيها الحروب. رواه ابن الأنباري.
ولا شك أن المتمادي في ظلمه إذا طالت أيامه وغشمه فيها، ثم مات استبعد كثير من الناس موته حتى لا يصدقوا الخبر به، فلا يذهب ذلك عنه إلا المعاينة؛ فإن فيه ما ليس في الخبر من اليقين.
وإطلاق النجاة على إلقاء بدنه على شاطئ البحر ليعاينوه على سبيل التَّهكم والاستهزاء به، وإن كان ذلك بعد الموت كما يقال للمصلوب: ما أرفعَ مكانَه! أو: مَنْ رفع هذا على الناس؟
وروى أبو الشيخ عن يونس ابن حبيب النَّحوي: أنَّ معنى: {نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [سورة يونس: 92: نجعلك على نجوى من الأرض لينظروا إليك فيعرفوا أنك مت.
وروى ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني، ويزيد البربري أنهما قرآ: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} [سورة يونس: 92] - بحاء غير معجمة -.
* فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:
قال الله تعالى ممتناً على بني إسرائيل: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [سورة البقرة: 50] .
وهذا صريح في أن بني إسرائيل نظروا إلى فرعون، أو إليه وإلى قومه وهم يغرقون، وهذا كيف يكون مع ما سبق أن منهم من كذَّب بموته؟
والوجه في ذلك أنهم شاهدوا غرقهم وانطباق البحر عليهم، لكنهم ظنوا أنهم يخرجون سالمين، أو ظنوا أنَّ فرعون لم يغرق معهم، أو أنَّه لجبروته وقوَّته وإن غرق يخرج سالماً، فأراد الله تعالى أن يشهدهم موته، فأخرج لهم بدنه حتى نظروا إليه فصدَّقوا، وسكنت خواطرهم.
* فائِدَةٌ حادِيَةَ عَشْرةَ:
كان في غرق فرعون تصديق لموسى عليه السلام عند بني إسرائيل حيث قال لهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف: 129] .
فلأجل ذلك أظهر لهم بدن فرعون تحقيقاً لما رجاهم إياه موسى عليه السلام، وبشَّرهم به.