وروى أبو الشيخ في كتاب"العظمة"عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما قال: الماء والريح جندان من جنود الله تعالى، والريح جند الله الأعظم.
قلت: وقد سخرهما الله تعالى معاً في هلاك فرعون، والله تعالى يسخرها كيف يشاء؛ فيجعلها رحمة، ويجعلها عذاباً، ومن هنا جاء النهي عن سبِّها.
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الرّيْحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تأتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ؛ فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا الله مِنْ خَيْرِهَا، وَعُوْذُوا باللهِ مِنْ شَرِّهَا". رواه الإِمام الشافعي، والإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تَسُبُّوا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَلا الشَّمْسَ وَلا القَمَرَ، وَلا الرِّيْحَ؛ فَإِنَّهَا تُبْعَثُ عَذَابًا عَلَى قَوْمٍ، وَرَحْمَةً عَلَى آخَرِيْنَ".
* فائِدَةٌ تاسعَةٌ:
قال الله تعالى مخاطبا لفرعون عند غرقه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [سورة يونس: 92] .
يحتمل أن يكون قد قال له ذلك قبل خروج روحه، فيكون على سبيل الاستهزاء به وإطماعه في النجاة زيادة في عذابه، فلما طمع في النجاة قيل له: {بِبَدَنِكَ} ، فآيسه من النجاة.
ويحتمل أن يكون إنما قيل له ذلك بعد موته، فيكون على حد قوله - صلى الله عليه وسلم - لقتلى بدر:"وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبى حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًا".
والعرب تنادي الموتى، والطلول، والديار على وجه التدله، والتذكرة، والإنذار، والاعتبار.
وقوله: {لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} ؛ يعني: بني إسرائيل، أو إياهم وغيرهم ليصدقوا بموته.
قال مجاهد: كذَّب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فَألقِي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيراً كأنه ثور. رواه المفسرون، وابن الأنباري في"المصاحف".