بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ .. أي ما يبقى لكم من الربح الحلال بعد إيفاء المكيال والميزان خير لكم من الحرام، وأكثر بركة وأرجى عاقبة مما تأخذونه بطريق الحرام، بشرط أن تكونوا مؤمنين لأن جعل البقية خيرا لهم إنما هو متحقق في حال الإيمان، وأما مع الكفر فلا خير لهم في شيء من الأعمال، ثم إن الإيمان حافز باعث على الطاعة، فإنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب، عملوا على تحصيل ما يؤدي إلى الثواب والنجاة من العقاب، وذلك خير من مسعاهم في أخذ الزائد القليل من الحرام في أثناء الكيل والوزن.
وما أنا عليكم برقيب على أعمالكم، ولا مستطيع منعكم من القبائح، وإنما أنا ناصح أمين، فافعلوا الحلال والواجب بدافع من أنفسكم لله عز وجل، ولا تفعلوه ليراكم الناس، ما علي إلا البلاغ، وعلى الله حساب الأقوال والأفعال.
ثم ذكر الله تعالى ردّ أهل مدين على شعيب عليه السّلام في الأمر بعبادة الله وحده، وترك البخس أو عدم نقص الكيل والميزان.
أما الردّ على الأول وهو العبادة لله فقالوا: يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ... أي هل صلاتك (أي الأعمال المخصوصة) - وكان شعيب كثير الصلاة- تأمرك بترك عبادة الآباء والأجداد وهي عبادة الأوثان والأصنام؟! قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية، وأعلنوا التمسك بطريقة التقليد في التدين والإيمان، كما يقال اليوم لعالم الدين المصلح: هل علمك أو مشيختك دافع لك إلى ترك ما نحن عليه؟! وأما الرّد على الأمر الثاني وهو ترك البخس فقالوا: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا .. أي وهل صلاتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نريد فعله؟ والمقصود بيان أنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما هو مصلحة لهم، ولا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون منها شيئا في سبيل الخير، وإنما يزيدونها بمختلف الوسائل، فما أمرتنا به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل، وأنه خير من الحرام الكثير، مناف لسياسة تنمية المال وتكثيره، وما ذلك إلا حجر على حريتنا الاقتصادية.
والخلاصة: أن ردهم على شعيب في الأمرين تضمن إمعانهم في التمسك بالتقليد، وفي الطمع المادي الذي لا يبالي فيه صاحبه بالحلال والحرام.