94 -ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ كانَ صادقًا في وعيده لهم فَحَلَّ بهم سوء العذاب فقال: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} الذي قَدّرناه في الأزل من العذاب، والهلاك لقوم شعيب، فالأمرُ: واحد الأمور {نَجَّيْنَا} رسولنا {شُعَيْبًا} قدم تنجيتَه إيذانًا بسبق الرحمة التي هي مقتضى الربوبية على الغضب الذي يظهر أثره بموجب الجرائم، {و} نجينا {الذين آمنوا معه} ، واتبعوا شعيبًا في الإيمان, وآمنوا كما آمنَ هو، فصدقوه على ما جاءهم به من عند ربهم، {بِرَحْمَةٍ} أزلية صَدَرَتْ {مِنَّا} في حقهم، ومجرد فضل خاصٍّ بهم لا بسبب أعمالهم كما هو مَذْهَبُ أهل السنة. وقال بعضهم: هي الإيمان الذي وفقناهم له، يقول الفقيرُ: وجه هذا القول أنَّ العذابَ والهلاكَ الذي هو من باب العدل قد أضيف إلى الكفر والظلم، فاقتضى أن يضافَ الخلاصُ والنجاة الذي هو من باب الفضل إلى الإيمان, ولمَّا كانَ الإيمانُ والعمل الصالح أمرًا موقوفًا على التوفيق .. كان مجردَ فضل ورحمة فافهم.
فائدة: قال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: ما الحكمة في قوله: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} بالواو في قصتي عاد ومدين، وقوله: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} بالفاء في قصتي لوط وثمود؟
قلتُ: قد وقعت جملةُ: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} في قصة قوم لوط، وقصة قوم ثمود بعد ذكر الوعد، وذلك قوله في الأولى: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} ، وقوله في الثانية {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} ، فجِيءَ بالفاء التي للتسبب كما تقول: وعدته، فلما جاء الميعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ. وأما قصتا عاد ومدين، فلم تَقَعا بتلك المنزلة؛ وإنما وقَعَتا مبتدأتين، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما، كما تعطف قصة على قصة، انتهى.