وقيل المعنى: أنك تأتينا بما لا عَهْدَ لنا به من الإخبار بالأمور الغيبية، كالبعث والنشور، ولا نَفقه ذلك؛ أي: لا نَفْهَمُه، كما نفهم الأمور الحَاضِرَةَ المشاهدةَ فيكون نفي الفقه على هذا حقيقةً لا مجازًا، وقيل: قالوا ذلك إعراضًا عن سماعه، واحتقارًا لكلامه مع كونه مفهومًا لديهم معلومًا عندهم، فلا يكون نفي الفقه حقيقةً بل مجازًا كما مر.
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ} يا شعيب {فِينَا} ؛ أي: فيما بيننا {ضَعِيفًا} ؛ أي: لا قوةَ لكَ ولا قدرةَ على شيء من الضر والنفع، تقدر بها على أن تمنع نَفْسَكَ منا، وتتمكن بها من مخالفتنا, ولا تستطيع أن تمتنع منا، إن أردنا أن نَبْطِشَ بك،
ومعنى ذلك أنه ليست لك قوَّةُ جسمانية، أو المعنى: كنتَ مَهِينًا ذليلًا فينا لا عِز لك، ولا شرفَ عندَنا، وهذا لا يتعلق بالقوة الجسمانية، فإن ضعيفَ الجسم قد يكون وافرَ الحرمة بين الناس، وهو الظاهر؛ لأنَّ الكفَرةَ كانوا يزدرون بالأنبياء، وبأتباعهم المؤمنين. وقيل: إنه كان مصابًا ببصره. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى: ضعيف؛ أي: قد ضَعف بذهاب بصره، كما يقال له: ضرير، أي: قد ضر بذهاب بصره.
{وَلَوْلَا رَهْطُكَ} ؛ أي: ولولا حرمة قومك، ومراعاةُ جانبهم، وقالوا: ذلك كرامةً لقومه, لأنهم كانوا على دِينهم لا خوفًا, لأن الرهط من الثلاثة إلى السبعة، أو التسعة، أو العشرة، وهم ألوفٌ فكيف يخافون منْ رهطه؛ أي: ولولا عشيرتك الأقربون {لَرَجَمْنَاكَ} ؛ أي: لقَتَلْناك برمي الحجارة، حتى تُدْفن فيها، وقد يُوضَع الرجم موضع القتل، وإن لم يكن بالحجارة من حيثُ إنه سببه، ولأنَّ أوَّلَ القتل لبني آدم، وهو قتلُ قابيلَ لهابيل، لمَّا كان بالحجارة سَمَّى كُلَّ قتلٍ رَجَمًا, وإن لم يكن بها.
وقال عمر - رضي الله عنه -: تَعلَّموا أنْسَابَكُم، تعرفوا بها أصولَكم، وتصلوا بها أرحامكم؛ قالوا: ولو لم يكن في معرفة الأنساب إلا الاحتراز بها من صولة الأعداء ومنازعة الأكفاء .. لكان تَعَلُّمها من أحزم الرأي، وأفضل الصواب، ألا ترى إلى قول قوم شعيب: ولولا رهطك .. لرجمناك فأبْقَوا عليه لرهطه، يقال: أبقيتُ لفلان إذا أرعيت عليه ورحمته.