وقد جاء الحق سبحانه بذكر مسألة الكنز ؛ ليدلنا على مدى ما عندهم من قيم الحياة ، فقيمة القيم عندهم تركزَّتْ في المال ؛ ولذلك تمنَّوا لو أن هذا القرآن قد نزل على واحد من الأثرياء ، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
إذن: فلم يكن اعتراضهم على القرآن ، بل على مَنْ نزل عليه القرآن . وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، طلبوا أن ينزل إليه كَنْزٌ ، وقد ظنوا أن الثراء سيلهيه هو ومَنْ معه عن الدعوة إلى الله تعالى ونسوا أنهم قد عرضوا الثروة عليه من قبل .
وهكذا وضح لمن عرض عليه هذا الأمر أن مسألة الكنز لا تشغله صلى الله عليه وسلم .
والكَنْزُ لغويّاً هو الشيء المجتمع ، فإن كانت الماشية مثلاً مليئة باللحم يقال لها:"مُكْتَنِزَةٌ لحماً"ولكن كلمة"الكنز"أطلقت على الشيء الذي هو ثمن لأي شيء ٍ ، وهو الذهب .
ولذلك قال الحق سبحانه:
{والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .
ونحن نعلم أن هناك فارقاً بين الرزق المباشر والرزق غير المباشر ، فالرزق الغير مباشر هو ما تنتفع به ، طعاماً أو شراباً ، وهناك شيء يأتي لك بالرزق الغير مباشر ؛ لكنه لا يُغني عن الرزق المباشر المستمر .
فلو أن إنساناً في صحراء ومعه قناطير مقنطرة من الذهب ، ولا يجد طعاماً ولا شربة ماء ، ماذا يفعل له الذهب"ولو عرض عليه إنسانٌ آخر رغيف خبز وشربة ماء مقابل كل ما يملك من ذهب لوافق على الفور . وهنا لا يكون التقييم أن قنطار الذهب مقابل الرغيف وشربة الماء ، ولكن قنطار الذهب هنا مقابل استمرار الحياة وضرورة الحاجة ."