و يفهم من هذه الآية أن اللّه تعالى يسوق رزق كل دابة إليها دون أن تسعى إليه بمقتضى تكفله لها بدليل قوله تعالى (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) الآية 22 من الذاريات الآتية ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم: لو توكلتم على اللّه لحق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا.
وما جاء في الخبر: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب.
وتؤذن أيضا في حمل العباد على التوكل ، إلا أنه لا يمنع من مباشرة الأسباب ، مع العلم بأن اللّه تعالى هو المسبب لها وجاء في الخبر: (اعقل وتوكل) وقال تعالى (فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الآية 16 من سورة الملك الآتية ، ففيهما إيذان بتعاطي الأسباب مع التوكل على اللّه ، إلا أنه لا ينبغي أن يعتقد عدم حصول الرزق بدون مباشرة سبب ، فإنه تعالى يرزق كثيرا من خلقه دون مباشرة الأسباب أصلا ، فقد جاء في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي تعلق قلبه بأحوال أهله
إذ أمره اللّه تعالى بالاشتغال بتبليغ الرسالة إلى من يعلم عتوه له وعناده وبغضه له بسبب قتل الرجل من قومه قاتله اللّه ولم يحسب قتل الألوف من قبله من قوم موسى ، فأمره اللّه تعالى أن يضرب صخرة بعصاه ، فضربها فانشقت عن صخرة ثانية ، فضربها فانشقت عن صخرة ثالثة ، فضربها فانشقت عن دودة كالذرة ، وفي فمها شيئ يجري مجرى الغذاء لها ، وسمعها تقول سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ولا ينساني ، فتنبه موسى عليه السلام لذلك وصرف نظره عن ذكر أهله.
وما أحسن قول ابن أذينة:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي إن الذي هو رزقى سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلبه ولو أقمت أتاني لا يعنيني