أخبر بذلك القرآن العزيز نصًّا وتريضًا، فإنه كما أنزل الله - جلَّ جلالُه - هذه الكتب التي هي
التوراة والإنجيل والزبور والقرآن إلى الأرض، ولا ينبغي أيضًا أن ينكر أن الله
جلَّ ذكره أنزل أيضًا كتبًا إلى حيث شاء من العلو تحت العرش لحكمة له في
ذلك، مع ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله كتب على نفسه كتابًا قبل أن"
يخلق السماوات والأرض بألفي سنة، أنزل الله منها إلى الأرض آيتين ختم بهما
البقرة"."
وجاء عنه أيضًا أنه قال له الملك - عليهما السلام -"إن الله أنزل عليك قرآنا"
من كنز تحت العرش"."
والحديث الذي يذكر فيه أن ملكًا نزل عليه من السماء من باب لم يفتح قط
قبل ذلك اليوم، فقال:"أبشر يا محمد بآيات أنزلت عليك من تحت العرش لن تقرأ"
بواحدة منهن إلا أعطيته: أم الكتاب وخواتم سورة البقرة"."
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله - عز وجل - يوم استوى على العرش كتب على نفسه كتابًا"
هو عنده على العرش فيه: إن رحمتي سبقت غضبي"وفي أخرى:"تغلب
غضبي"."
وقال الله جل قوله:(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ... .)فأخبر بصدق قيله - جلَّ جلالُه - أنه كتب على
نفسه الرحمة، وجاء - أن هذا القرآن أنزل ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء
الدنيا، وإنما كانت حروفه فيما هنالك هذه الحروف المعجمة، ثم نزلت عن ذلك
تنزيلاً تنزيلاً إلى حروف هذه فالله أعلم، إذ ليس من الواجب في الوجود أن
يكون ذلك القرآن فيما هنالك بلسان العرب.
فبهذا البلاغ ونحوه تقرر عند من نفى الخطاب أن لله جلَّ ذكره كتبًا سوى هذا
الكتاب وسوى المنزلة قبله وسوى أم الكتاب، وأم الكتاب أم لهذه الكتب كلها كأمنا، أي: إمامها عنه فُصلت ومنه نزلت، لكل كتاب حروف استوت كلها في أنها منيبة عن المراد بها، وأن ما هو أقرب من أم الكتاب هو أعرف في
العلاء، وأسمى في صفة الإحكام كما قال عرس قائل: (وَإِنَّهُ) يعني: القرآن (فِي