والسبب في فهمنا لكلمة {مَّعْدُودَةٍ} أنها تفيد القلة ، هو أننا لا نُقبل على عَدِّ شيء إلا مظنة أننا قادرون على عَدِّه ؛ لأنه قليل ، لكن مالا نُقبل على عدِّه فهو الكثير .
ومثال ذلك: أن أحداً لم يعد الرمل ، أو النجوم .
ولذلك جاء قول الحق سبحانه:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .
و"إن"كما نعلم تأتي للشك ، ونعم الله سبحانه ليست مظنة الحصر .
ورغم أن البشرية قد تقدمت في علوم الإحصاء فهل تفرَّغ أحد ليُحصي نعم الله؟
طبعاً لا . . وبطبيعة الحال يمكن إحصاء السكان والعاملين في أي مجال أو تخصص .
وقديماً كان القائمون على فتح صناديق النذور ليحسبوا ما فيها ، فيضعوا الورق من فئة المائة جنيه معاً ، والورق من فئة العشرة جنيهات معاً ، وكذلك بقية الفئات من الأوراق المالية ، إلى أن يصلوا إلى القروش ، فيقوموا بوزن كليو جرام منها ، ويحسبوا كم قرشاً في الكيلو جرام ، ويزنوا بعد ذلك بقية القروش ؛ ليحسبوا المجموع على حساب عدد القروش التي حصروها في الكليو جرام الأول .
وقول الحق سبحانه هنا:
{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: 8] .
كأنهم يتساءلون سخرية واستهزاء: لماذا يتأخر العذاب الذي توعَّدهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الإنسان لا يتشوق إلى ما يؤلمه ، ولا يقال مثل هذا الكلام إلا على سبيل التهكم .
ويأتي الرد عليهم بأداة التنبيه ، وهي"ألا"أي: تَنبَّهوا إلى هذا الرد .
ويقول الحق سبحانه وتعالى:
{يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} [هود: 8] .
وهذا تأكيد أن العذاب سيأتي ، ولكن العباد دائماً يعجلون .
والله سبحانه لا يعجل بعجلة العباد ؛ حتى تبلغ الأمور ما أراد ، وكل أمر له وقت وله ميلاد ، وسيأتيهم ما كانوا يستعجلون ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: