ومن يعشق عمله على أي وضع كان ، يوفقه الله تعالى فيه أكثر ؛ لأنه احترم قدر الله تعالى في نفسه ، ولم يستنكف ، ويعطيه الله سبحانه كل الخير من هذا العمل ، بقدر حبه للعمل وأخلاصه فيه .
وإن نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت ، فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم لقدر الله سبحانه وتعالى فيهم .
ونحن نعلم أن قيمة كل امرئ فيما يحسنه ؛ ولذلك تجد الأمة مكونة من مواهب متكاملة لا متكررة ، حتى يحتاج كل إنسان إلى عمل غيره .
ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:
{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف: 32] .
لأن أحداً لا يسخَّر الآخر لعمل إلا إذا كان المسخَّر في حاجة إلى هذا العمل .
ولذلك تجد من يطرق بابك ويسأل: ألا تحتاج إلى سائق؟ ألا تحتاج إلى خادم؟
وصاحب الحاجة هو الذي يعرض نفسه ؛ لعله يجد العمل الذي يتقنه .
ولذلك يجب ألا يتصور أهل أي إنسان أنه حين يخدم في أي حرفة من الحرف أنه يخدم المخدوم ، لا . . إنه يخدم حاجة نفسه .
وهكذا تترابط الأمة ارتباط حاجات ، لا ارتباط تفضل .
وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] .
لأن هناك مواهب متعددة قد اجتمعت فيه ، وهي مواهب لا تجتمع إلا في أمة من الناس .
وكلمة"أمة"تطلق على الزمن ، وتطلق على الجماعة من كل جنس ، وتطلق على الرجل الجامع لكل خصال الخير .
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: 8] .
وعادة ما تأتي كلمة {مَّعْدُودَةٍ} لتفيد القلة ؛ مثل قول الحق سبحانه:
{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين} [يوسف: 20] .
وما دام الثمن بَخْساً فلا بد أن تكون الدراهم معدودة .