وثالثها: اختصاص ذاته بالعظمة والكبرياء، واختصاص الأرض بنقيضها من التسخير والقهر.
ورابعها: اختصاص ذاته بالاستغناء من كل وجه في ذاته وصفاته، بخلاف الأرض، فإنها مفتقرة في ذاتها من كل وجه إلى فاعل ومدبر، ومن كان مستغنيا في ذاته وصفاته فإنه في غاية البعد المعنوي عما يكون مفتقرا في ذاته وصفاته إلى غيره، وخامسها: أنه نداء من اختص بكمال العزة لمن هو في غاية الذلة، كما ينادى السيد عبده، فلما كانت الأرض مختصة بما ذكرناه من البعد من هذه الأوجه، لا جرم كان نداؤها مختصا ب «يا» من بين صيغ النداء، وإنما قال: (يا أَرْضُ)
ولم يقل: «يا أرضي» إيثارا لتحقيرها، لأنه لو أضافها إلى نفسه، لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه، لأن المضاف أبدا يكتسي من المضاف إليه شرفا وتخصيصا وتعريفا، ولم يقل: «يا أيّتها الأرض» إيثارا للاختصار، وعملا على الإيجاز، وتحرزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذي لا يليق بمقام الخطاب الإلهى، لاستحالته فيه، واختير لفظ الأرض لأمرين، أما أولا: فلأن المدحوّة والمبسوطة والمهاد وغير ذلك، مما يستعمل في الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض، وأما ثانيا: فلأن لفظ الأرض أخف وأكثر دورا واستعمالا مما ذكرناه، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها،
واختير لفظ (ابْلَعِي) ولم يقل «ابتلعي» لأمرين:
أما أولا فلأن (ابْلَعِي) أخف وزنا وأسهل على اللسان من «ابتعلي» وأما ثانيا فلأن في الابتلاع نوع اعتمال في الفعل وتصرف فيه يؤذن بالمشقة، بخلاف قوله: (ابْلَعِي) فإنه دال على السهولة، فيكون فيه دلالة على باهر القدرة، حيث أمرت بالبلع لهذا الأمر الهائل من الماء بحيث لا يمكن تصوره على أسهل حالة.
وإنما اختير إفراد الماء دون جمعه لأمرين، أما أولا فلأن في الجمع نوع تكثير، فلا يليق ذكره بمقام الكبرياء وإظهار العظمة،
وأما ثانيا: فلأن في الإفراد نوع تحقير وذلة، وهو لائق بمقام القهر والاستيلاء في الملكة، وهذا هو الوجه في إفراد السماء والأرض.