وإنما ذكر مفعول: (ابْلَعِي) لأنه لو اقتصر على ذكر البلع لدخل فيه ما ليس مرادا من بلع الجبال والبحار، وأنواع الأشجار والسفينة ومن فيها، نظرا إلى عموم الأمر الذي لا يخالف ولا يرد عن مجراه، لأن المقام مقام عظمة وكبريآء، وقول ابن عباس في قوله تعالى: (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ(69) [سورة الأنبياء: 69] إنه لو لم يقل «وسلاما» لم ينتفع بالنار، لشدة بردها، يشير به إلى ما ذكرناه من مضاء الأمر ونفوذه، وإنما لم يظهر ذكر المسبب عند ذكر سببه، فيقول يا أَرْضُ ابْلَعِي فبلعت، ويأسماء أقلعي فأقلعت، لأمرين:
أما أولا: فلما في ذلك من الاختصار العجيب، والإيجاز البليغ، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر مسببه، وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ) [سورة البقرة: 60] لأن المعنى فضرب فانفجرت، وأما ثانيا: فلما فيه من الإشارة إلى باهر القدرة في سرعة الإجابة، ووقوع الامتثال، وحصول الأمور: من غير مخالفة هناك، فترك ذكره اتكالا على ما ذكرناه، وأنه كائن لا محالة لا يمكن تأخره.
واختير بناء (وَغِيضَ) لما لم يسم فاعله على «غيّض» بتشديد الياء مبنيّا للفاعل لأمرين، أما أولا: فمن أجل الإيجاز، لطرح الفاعل، والاختصار فيه، وأما ثانيا: فمن أجل الاستحقار عن تعريض ذكر الله تعالى على أحقر المقدورات بالإضافة إلى جلاله، والمقام مقام الكبرياء والعظمة، وإنما اختير لفظ «الماء» ولم يقل الطوفان، ولا المطر، إيثارا للاختصار، ولما فيه من الإشارة باللام التي للعهد، كأنه قال: وغيض الماء الذي أمرنا الأرض والسماء بإيقاعه، بيانا لحاله وإيضاحا
لأمره، وأنه الذي وقع الإهلاك به لقوم نوح، فيعظم الامتنان على من بقى في السفينة بإزالته، وإنما قال «الأمر» في قوله تعالى: (وَقُضِيَ الْأَمْرُ)