وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً. ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: {قل يا أيها الناس} والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة {ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً ، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع ، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي. وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: {وأمرت أن أكون} أي بأن أكون {من المؤمنين} ثم عطف عليه قوله: {وأن أقم وجهك} ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع ، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم. قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل"أن"بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر ، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال ، ومعنى {أقم وجهك} استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً. و {حنيفاً} حال من {الدين} أو من الوجه. قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه. ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: {ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت} أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ، وكنى عنه بالفعل للاختصار. و"إذا"جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من