وهوامُّها ، وادَّخر عنده تسعًا وتسعينَ رحمةً ، فإذا كان يومُ القيامةِ أنزلَ تلكَ
الرحمةَ إلى ما عنده فيرحمُ عبادَهُ ، والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ ، وهذا كلُّه
يُبيِّنُ أنَّ السماواتِ والأرضَ خُلِقت من الماءِ ، والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هو أوَّلُ
المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ ، وحديثُ أبي هريرةَ يدُلُّ على أنَّ الماءَ مادَّةُ جميع
المخلوقاتِ ، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ الماءَ مادةُ جميع الحيواناتِ ، قالَ اللَّهُ
تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) .
وقال تعالى: (واللَّه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من مَاءٍ) .
وقولُ مَنْ قالَ: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطْفةُ التي يخلَقُ منها
الحيواناتُ بعيدٌ لوجهينِ:
أحدهما: أنَّ النُّطفَةَ لا تُسمّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا ، لقوله تعالى:
(خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) .
وقوله تعالى (أَلَمْ نَخلقكُم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) .
والثاني: أن من الحيواناتِ ما يتولَّدُ من غيرِ نُطْفَةٍ ، كدودِ الخلِّ ، والفاكهةِ
ونحوِ ذلك ، فليس كل حيوانٍ مخلوقًا من نُطفةٍ ، والقرآنُ دلَّ على خَلْقِ
جميع ما يدِبُ وما فيه حياةٌ من ماءٍ ، فعُلِمَ بذلك أن أصلَ جميعِها الماءُ
المطلقُ.
ولا ينافي هذا قولَهُ تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)
وقولَ النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"خُلِقَتِ الملائكةُ من نُور".