أى: ذلك اليوم وهو يوم القيامة، يوم يجمع الناس فيه لأجل محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم، ويشهده جميع الخلائق الذين يؤمرون بشهوده، دون أن يغيب منهم أحد قال صاحب الكشاف: و {الناس} رفع باسم المفعول الذي هو {مجموع} كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس.
«فإن قلت» : لأى فائدة أوثر اسم المفعول على فعله؟
قلت: لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه يوم لابد من أن يكون ميعادا مضروبا لجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت - أيضا - لإِسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه.
ونظيره قول المهدد: إنك لمنهوب مالك، محروب قومك، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل...
والمراد بالمشهود: الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور... والغرض من ذلك، وصف هذا اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام، بأنه اليوم الذي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد.
(يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(105)
«فإن قيل» : كيف نجمع بين هذه الآية التي تنفي الكلام عن كل نفس إلا بإذن الله وبين قوله تعالى {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا...} ؟
فالجواب: أن في يوم القيامة مواقف متعددة، ففي بعضها يجادل الناس عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام إلا بإذن الله، وفي بعضها يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون.
وفي هذه الآية الكريمة إبطال لما زعمها لمشركون من أن أصنامهم ستدافع عنهم، وستشفع لهم يوم القيامة.
قال الإِمام ابن كثير: قوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ...} أي: يوم يأتي هذا اليوم وهو يوم القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله تعالى كما قال - سبحانه - {يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً} وقال - سبحانه - {وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} - في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشفاعة الطويل: -"ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم".
(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107)