نعمة الله عليه"رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" [يوسف: 101] ، فمنذ نعومة أظفاره إلى ختام حياته وهو مع الله، وهكذا رفعه الله من جُبٍّ إلى حياة ولكن في عبودية، إلى سجنٍ ولكن بعيداً عن الفواحش والمظالم، ثم إلى كرسي المُلك ليكون وزيراً على أقوات الناس، وما أعظمه من مُلك، وتختم حياته بذلك بعد النبوة وبعد تعليم تأويل الرؤى وأحاديث النفس وهكذا، فمن كان مع الله كان الله معه بالكلمة البسيطة التي نسمعها كثيراً.
هكذا تتدرج السور وتتناسب مع بعضها، ولنا أن نرى فيها لمحةً أخرى بهذا التسلسل الجميل، فإن سورة يونس أيضاً ذكرت لنا أنه لم ينفع إيمانٌ قريةً من القرى آمنوا بعد أن جاءهم العذاب في الدنيا إلا قوم يونس"لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ" [يونس: 98] ، فهؤلاء قوم يعتبروا مثالاً لمن نفعه إيمانه في الدنيا ورفع عنه الغضب والكرب والعذاب، لأنهم أدركوا أنفسهم في الوقت المناسب، وسورة هودٍ تذكر عديداً من الأمم لم يؤمنوا ولم ينفعهم إيمانهم وإن كانوا يدَّعون الإيمان بشكلٍ من الأشكال، فراحوا في عذاب الله، وقطع الله دابرهم بعقابه في الدنيا وأعد لهم في الآخرة عذاباً عظيمًا، وسورة يوسف بعد ذلك مثالٌ لفردٍ من الأفراد بعد أمة يونس كأمة فردٍ من الأفراد نفعه إيمانه ونفعته صلته بربه، مهما ضاقت به الأمور في الدنيا، مهما عقد الناس وأقرب الناس إليه نواياهم على قتله والغدر به، إلا أن إيمانه نفعه ونجاه من كل مخاطر الحياة.