سورةٌ بهذا الشكل بالتأكيد هي سورةٌ مكية [3] ، مما نزل من القرآن قبل الهجرة النبوية ليؤسس في نفوس الناس الارتباط الصحيح بالله تبارك وتعالى، بالعلاقة الأكيدة بين المخلوق والخالق، ومتى يكون الله لنا ومعنا، ومتى لا يكون كذلك بل يكون على الناس، فهي سورةٌ مكية تتناسب مع سورة يونس قبلها بما ذكرناه سابقاً من أن سورة يونس تذكر العقيدة الإسلامية السليمة وتفصيل ذلك وتحقيقه، أي أن هذه عقيدة حقَّة وصحيحة، وهي الواجب اعتناقها واعتقادها، سورة هود مكيةٌ مثلها تحكي حركة هذه العقيدة في الأمم، كيف تحركت البشرية واستقبلت هذه العقيدة أو أدبرت عنها، من خلال قَصَص الأمم السابقة، قوم فلان فعلوا كذا وجرى لهم كذا، قوم فلان فعلوا كذا ووقع بهم كذا، وهكذا على طول سورة هود، فالقصص فيها أطول، وسورة هودٍ وهي تدعو إلى العودة إلى الله فإن سورة يوسف عليه السلام تذكر لنا مثالاً بيوسف عليه السلام منذ صغر سنه إلى أن أتم الله عليه النعمة، كيف كان موصولاً بالله تبارك وتعالى، وكيف نفعته هذه الصلة، كيف عند أول فتنةٍ قال فيها:"قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ" [يوسف: 23] ، وتورع عن دعوة امرأة العزيز، كيف حينما اجتمعت عليه النسوة عند زليخة، وراودنه مراودةً جماعية غالبةً بالقوة تمنَّع وقال:"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ" [يوسف: 33] ، كيف لم ينس ربه في السجن وذكر فضله عليه وهو يكلم صاحبيه في الرؤيا، يقول لهم:"ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي" [يوسف: 37] ، وفي نهاية مدة السجن لهذين السجينين وقد حكم على أحدهما بالإعدام وعلى الآخر بالبراءة، يذكِّر البريء ويقول له: ذكِّر ربك وسيدك الملك بقضيتي ليعيد النظر فيها، فربي عليم، وربي معي، ولما جاءته البشرى ليخرج من السجن لم يعجِّل بذلك فرحاً بالخروج قبل أن يثبت براءته مما يغضب الله عز وجل عند الناس؛ لأن ربه عليمٌ ببراءته"قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ" [يوسف: 50] ، إلى آخر المطاف وجمعه الله بوالديه وبإخوته فتذكر