فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أَوْ حِينَ نَصَّبَتْ ... لَهُ مَنْ خَذَا آذَانِهَا وَهُوَ جَانِحُ
يُرِيدُ: «أَوْ حِينَ أَقْبَلَ» ، ثُمَّ حَذَفَ اكْتِفَاءَ بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} وَالْمَعْنَى: بَعَثَنَاهُمْ لِيَسُوؤُوا وجُوهَكُمْ، فَتَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، فِي أَشْبَاهٍ لِمَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٍ يُتْعِبُ إِحْصَاؤُهَا.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}
يَقُولُ: وَلَا يَنْجَحُ السَّاحِرُونَ وَلَا يَبْقُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ لِمُوسَى: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا}
يَقُولُ: لِتَصْرِفَنَا وَتَلْوِينَا، {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} مِنْ قَبْلِ مَجِيئِكَ مِنَ الدِّينِ؛ يُقَالُ مِنْهُ: لَفَتَ فُلَانٌ عُنُقَ فُلَانٍ إِذَا لَوَاهَا، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
[البحر الرجز]
لَفْتًا وَتَهْزِيعًا سَوَاءَ اللَّفْتِ
التَّهْزِيعُ: الدَّقُّ، وَاللَّفْتُ: اللَّيُّ.
وَقَوْلُهُ: {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ}
يَعْنِي الْعَظَمَةَ، وَهِيَ الْفِعْلِيَاءُ مِنَ الْكِبْرِ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ الرِّقَاعِ:
[البحر الخفيف]
سُؤْدُدًا غَيْرَ فَاحِشٍ لَا يُدَا ... نِيهِ تَجْبَارُهُ وَلَا كِبْرِيَاءُ
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} قَالَ: السُّلْطَانُ فِي الْأَرْضِ"
عَنِ الضَّحَّاكِ:"قَالَ: الطَّاعَةُ"
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَاتِ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُلْكَ سُلْطَانٌ، وَالطَّاعَةَ مُلْكٌ؛ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَى الْكِبْرِيَاءِ هُوَ مَا ثَبَتَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ عَظَمَةً بِمُلْكٍ وَسُلْطَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ: وَمَا نَحْنُ لَكُمَا يَا مُوسَى وَهَارُونَ بِمُؤْمِنِينُ، يَعْنِي بِمُقِرِّينَ بِأَنَّكُمَا رَسُولَانِ أُرْسِلْتُمَا إِلَيْنَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 12/}