أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ... أي أفأنت يا محمد تلزم الناس وتلجئهم إلى الإيمان، ليس ذلك عليك ولا إليك، بل إلى الله وعليه. فالإيمان لا يتم بالإكراه والإلجاء والقسر، وإنما يتم بالطواعية والاختيار، كما قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة 2/ 256] وقال تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [ق 50/ 45] وإنما مهمتك فقط التبليغ بالإنذار والتبشير، كما قال تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى 42/ 48] وقال سبحانه: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية 88/ 21 - 22] . إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[القصص 28/ 56] .
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي ليس لنفس أن تؤمن إلا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه أو ما ينبغي لنفس أن تؤمن إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته، والنفس مختارة في الإيمان اختيارا غير مطلق، وليست مستقلة في اختيارها استقلالا تاما، بل مقيدة بسنة الله في الخلق، يهدي الله من يشاء بحكمته وعلمه وعدله.
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أي ويجعل الله العذاب على الذين لا يتدبرون حجج الله وأدلته، ولا يستعملون عقولهم في النظر بما يرشدهم إلى الحق من آيات الله وحججه الكونية والعقلية القرآنية، فهم لتعطيلهم منافذ المعرفة وحواسهم الهادية إلى الصواب، ولاتباع الهوى، يؤثرون الكفر على الإيمان.
فقه الحياة أو الأحكام:
استنبط العلماء من الآيات ما يأتي:
1 -الحض على الإيمان وقت الرخاء والسعة قبل الإحاطة بالعذاب، فهو الوقت الذي يقبل فيه الإيمان.
2 -خص الله قوم يونس من بين سائر الأمم بقبول توبتهم بعد معاينة العذاب، كما ذكر الطبري عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان.