في الآيات تقرير رباني بأن الله تعالى لو شاء لآمن من في الأرض جميعا، وسؤال للنبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كان هو مع ذلك يريد أن يرغم الناس جميعا على الإيمان، وتقرير رباني آخر بأنه ليس لأحد أن يؤمن إلّا بإذن الله وتوفيقه، وأن الذين لا يعقلون ولا يتدبرون في دعوة الله وآياته يتعرضون لخزي الله وخذلانه وغضبه وعذابه، وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بلفت نظر الناس إلى ما في السموات والأرض من آيات الله، وتقرير بأن الذين لا يؤمنون لا يمكن أن ينتفعوا بآيات الله ونذره ولن يجدي ذلك فيهم، وتساؤل عما إذا كان كل ما ينتظره الجاحدون هو عذاب الله الذي حلّ في أمثالهم من قبل، وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم باستمهالهم وإعلانهم بأنه منتظر معهم أمر الله، وإشارة إلى أن الله تعالى سينجي رسله والذين آمنوا معهم
حينما يحين وقوع العذاب على الكفار ويتحقق وعيده لهم، وأن ذلك حق لهم عليه.
تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً والآيات الأربع التالية لها
ولم يرو المفسرون رواية ما في صدد نزول الآيات، والمتبادر أنها هي الأخرى جاءت معقبة على الفصول السابقة التي حكت أقوال الكفار ومواقفهم وحجاجهم ثم على الفصول القصصية التذكيرية والتمثيلية التي أعقبتها بقصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الطمأنينة على قلبه وتخفيف حزنه من عدم إيمان أكثر الناس الذي كان شديد الحرص عليه من جهة، والتنديد بالكفار وعقولهم وغفلتهم عما في السموات والأرض من آيات الله الباهرة الدالة على وحدانيته واستحقاقه وحده للعبادة والخضوع ووصف شدة عنادهم وتصميمهم على عدم الإيمان من جهة، وتبشير النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنجاة من جهة.
وعلى ضوء هذا الشرح المستلهم بقوة من فحوى الآيات وروحها لا يبقى محل للتوهم بما قد يفيده ظاهر نص الآية الأولى والآية الثالثة من كون عدم إيمان الذين لم يؤمنوا هو بسبب عدم مشيئة الله. فالله لم يشأ أن يقرهم على الإيمان وهو قادر بل تركهم لتمييزهم واختيارهم ليستحقوا الثواب والعقاب عدلا.