وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ إِجَابَتِهِ لِمُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَارُونَ دُعَاءَهُمَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْرَافَ قَوْمِهِ وَأَمْوَالِهِمْ. يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {قَالَ} اللَّهُ لَهُمَا {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} فِي فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ وَأَمْوَالِهِمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ نُسِبَتِ الْإِجَابَةُ إِلَى اثْنَيْنِ، وَالدُّعَاءُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ وَاحِدٍ قِيلَ: إِنَّ الدَّاعِيَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، فَإِنَّ الثَّانِي كَانَ مُؤَمِّنًا وَهُوَ هَارُونُ، فَلِذَلِكَ نُسِبَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِمَا، لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ دَاعٍ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْعَرَبَ تُخَاطِبُ الْوَاحِدَ خِطَابَ الِاثْنَيْنِ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ:
[البحر الوافر]
فَقُلْتُ لِصَاحِبِي لَا تُعْجِلَانَا ... بِنَزْعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَاسْتَقِيمَا} فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ. عَلَى أَمْرِهَا مِنْ دُعَاءِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ عِقَابُ اللَّهِ الَّذِي أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ أَجَابَهُمَا فِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَطَعْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ حَتَّى جَاوَزُوهُ.
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ}
يَقُولُ: فَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ {وَجُنُودُهُ} يُقَالُ مِنْهُ: اتَّبَعْتُهُ وَتَبِعْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. وَقَدْ كَانَ الْكَسَائِيُّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْهُ يَقُولُ: إِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ أَتْبَعَهُمْ خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَالْكَلَامُ «أَتْبَعَهُمْ» بِهَمْزِ الْأَلِفِ، وَإِذَا أُرِيدَ اتَّبَعَ أَثَرَهُمْ أَوْ اقْتَدَى بِهِمْ
فَإِنَّهُ مِنْ «اتَّبَعْتُ» مُشَدَّدَةُ التَّايِ غَيْرُ مَهْمُوزَةِ الْأَلِفِ.