وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: ثُمَّ افْرُغُوا إِلَيَّ، وَقَالُوا: الْقَضَاءُ: الْفَرَاغُ، وَالْقَضَاءُ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: وَكَأَنَّ قَضَى دِينَهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فَرَغَ مِنْهُ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ» بِمَعْنَى: تَوَجَّهُوا إِلَيَّ حَتَّى تُصَلُّوا إِلَيَّ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ أَفْضَى إِلَيَّ الْوَجَعُ وَشِبْهُهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا تُنْظِرُونِ}
يَقُولُ: وَلَا تُؤَخِّرُونَ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنْظَرْتُ فُلَانًا بِمَا لِي عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ.
وَإِنَّمَا هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قَوْلِ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ وَاثِقٌ وَمِنْ كَيْدِهِمْ وَتَوَاثُقِهِمْ غَيْرُ خَائِفٍ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، يَقُولُ لَهُمُ: امْضُوا مَا تُحَدِّثُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ فِيَّ عَلَى عَزْمٍ مِنْكُمْ صَحِيحٍ، وَاسْتَعِينُوا مَنْ شَايَعَكُمْ عَلَيَّ بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ فَإِنِّي قَدْ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ أَنَّكُمْ لَا تَضُرُّونِي إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ، فَإِنَّهُ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ سَبِيلَ الرَّشَادِ فِيمَا قَلَّدَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالْبَلَاغِ عَنْهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ عَنِّي بَعْدَ دُعَائِي إِيَّاكُمْ وَتَبْلِيغِ رِسَالَةَ رَبِّي إِلَيْكُمْ مُدْبِرِينَ، فَأَعْرَضْتُمْ عَمَّا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَتَرْكِ إِشْرَاكَ الْآلِهَةِ فِي عِبَادَتِهِ، فَتَضْيِعٌ مِنْكُمْ، وَتَفْرِيطٌ فِي وَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، لَا بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِي؛ فَإِنِّي لَمْ أَسْأَلْكُمْ عَلَى مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ أَجْرًا وَلَا عِوَضًا