والمقلِّد إنما يعطل فكره ، ولا يختار بين البدائل ، ولا يميز الصواب ليفعله ، ولا يعرف الخطأ فيتجنَّبه .
وفرعون وملؤه كانوا على ضلال ، هو نفس ضلال الآباء ، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة الاختيار ، بل قد يحقق شهوات عاجلة .
أما تمييز الصواب من الخطأ واتباع منهج السماء ، فهو يحجب الشهوة ، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال الذي يطيل أمد الشهوة .
إذن: فالمقلد بين حالتين:
الحالة الأولى: أنه لا يُعْمِل عقله ، بل يفعل مثل من سبقوه ، أو مثل من يحيا بينهم .
والحالة الثانية: أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف ، ولكن الرسول الذي يأتي إنما يلزمه بمنهج ، فلا يكسب على سبيل المثال إلا من حلال ، ولا يفعل منكراً ، ولا يذم أحداً ، وهكذا يقيد المنهج حركته ، لكن إن اتبع حركة آبائه الضالين ، فالحركة تتسع ناحية الشهوات .
ولذلك أقول دائماً: إن مسألة التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية ، فالنشء ما دام لم يصل إلى البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء ، لكن فور أن تتكون له ذاتية يبدأ في التمرد ، وقد يقول للآباء: أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح لهذا الزمان ، لكن إن تشرَّب النشء القيم الدينية الصحيحة ؛ فسيمتثل لقانون الحق ، ويحجز نفسه عن الشهوات .
ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج الله في تربية الأبناء وهم يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران السوء ، فيتجهون إلى ما يوسع دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد .
لكن أبناء الأسر الملتزمة يراعون منهج الله تعالى ؛ فلا يقلدون آحداً من أهل السوء ؛ لأن ضمير الواحد منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب .