والعصا كما نعلم أصلها فرع من شجرة ، وكان باستطاعة الحق سبحانه وتعالى أن يجعلها تتحول إلى شجرة مثمرة ، لكنها كانت ستظل نباتاً .
وشاء الحق سبحانه أن ينقلها إلى المرتبة الأعلى من النبات ؛ وهي المرحلة الحيوانية ، فصارت حية تلقف كل ما ألقاه السحرة .
ويقول الحق سحبانه بعد ذلك: {قالوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا}
وهنا نجد سحرة فرعون ينسبون مجيء معجزة تحول العصا إلى حية ، ينسبونها لموسى عليه السلام رغم أن موسى عليه السلام قد نسب مجيء المعجزة إلى الله تعالى .
وكان واجب المرسل إليه فرعون وملئه أن ينظر إلى ما جاء به الرسول ، لا إلى شخصية الرسول .
ولو قال فرعون لموسى:"جيْءَ بك"لكان معنى ذلك أن فرعون يعلن الإيمان بأن هناك إلهاً أعلى ، ولكن فرعون لم يؤمن لحظتها ؛ لذلك جاء قوله: {أَجِئْتَنَا} فنسب المجيء على لسان فرعون لموسى عليه السلام .
ولماذا المجيء؟
يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه:
{أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [يونس: 78] .
والالتفات هو تحويل الوجه عن شيء مواجه له ، وما دام الإنسان بصدد شيء ؛ فكل نظره واتجاهه يكون إليه ، وكان قوم فرعون على فساد وضلال ، وليس أمامهم إلا ذلك الفساد وذلك الضلال .
وجاء موسى عليه السلام ؛ ليصرف وجوههم عن ذلك الفساد والضلال ، فقالوا:
{أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [يونس: 78] .
وهكذا يكشفون حقيقة موقفهم ، فقد كانوا يقلدون آباءهم ، والتقليد يريح المقلِّد ، فلا يُعْمِل عقله أو فكره في شيء ليقتنع به ، ويبني عليه سلوكه .
والمثل العامي يصور هذا الموقف بعمق شديد حين يقول:"مثل الأطرش في الزفة"أي: أن فاقد السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة ، بل يسير مع الناس حيث تسير ؛ ولا يعرف له اتجاهاً .